الحديث الضعيف وفضائل الأعمال

الحديث الضعيف وفضائل الأعمال
س : سمعنا عن العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، فما هو الحديث الضعيف ؟ وما المقصود بفضائل الأعمال، وماذا نعني بالعمل به ؟
الجواب:
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. وبعد، فقد اعتنى العلماء المسلمون بالسنة النبوية الشريفة اعتناء بالغًا، فقاموا بإنشاء علوم المصطلح، والرِّجال، وفقه الحديث أو فقه السنة.
وقد تحرَّى العلماء أعلى مستويات الدِّقَّة في نقل الأحاديث النبوية المشرَّفة، وقسَّموا ما وصل إلينا من أخبار وآثار عن المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى ثلاثة أقسام أساسية هي : الحديث الصحيح، الحديث الحسن، الحديث الضعيف.
وجعلوا شروطًا وصفات للحديث المقبول [الصحيح والحسن]، وهي : اتصال السَّند، وعدالة الرواة، وضبطهم، وعدم الشُّذوذ، وعدم العِلَّة. فإن اجتمع للحديث أعلى درجات هذه الصفات، وأعلى درجات الضبط، فكان الضَّبط كاملا، كان الحديث صحيحًا. وإن اجتمع للحديث أدنى هذه الدرجات، وكان الضَّبط أقل، كان الحديث حسنًا. أما إذا اختلَّ أحد هذه الأوصاف كان الحديث ضعيفًا.
فالحديث الضعيف في الاصطلاح هو: كل حديث لم يجتمع فيه صفات الحديث الصحيح، ولا صفات الحديث الحسن (1).
والمقرر شرعًا أن الحديث الضعيف لا يصلح أن يكون دليلا يُنْشِئ حكمًا شرعيًّا تكليفيًّا، سواء أكان هذا الحكم، الوجوب، أم الحرمة، أم الندب، أم الكراهة، أم الإباحة.
إلا أنه يوجد باب في الشرع يُسمَّى «بفضائل الأعمال» تكلَّم العلماء على جواز العمل فيه بالحديث الضعيف، فهل يُعَدُّ ذلك تناقضًا مع ما تقرر بعدم جواز استقلال الحديث الضعيف في إنشاء الحكم التكليفي ؟
يتَّضح الأمر ببيان المقصود بفضائل الأعمال، وما المقصود بالعمل بالحديث الضعيف فيها. المقصود بفضائل الأعمال :
فضائل الأعمال هي: ما رغَّب الشرع في عمله من فضائل كالذكر، والدعاء، والمندوبات، الموافقة لأصول الشريعة.
ونعني بتعلق الحديث الضعيف بهذا الباب، أن يرد هذا الحديث وفيه ذكر لفضل عمل، وثوابه من تلك الأعمال التي ثبتت أفضيلتها من قبل ورود ذلك الحديث الضعيف. المقصود بالعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال :
ويقصد بجواز العمل بهذا الحديث في الفضائل، هو جواز أداء هذا العمل رغبةً في الثَّواب الوارد في ذلك الحديث الضعيف؛ طمعًا في فضل الله الواسع، لا اعتقادًا بلزوم ترتبه، ولا الجزم بنسبته للمصطفى صلى الله عليه وسلم.
فالعلماء يتسامحون ويتساهلون في جواز العمل به بذلك الاعتبار، بما لا يتسامحون فيه في غيره. ومن أمثلة هذه الأحاديث التي وردت في الفضائل : «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر». ويعلق عليه الآلوسي بقوله : «وقد اضطرب الحديث هنا فوقع في بعض الروايات: «لا يبدأ فيه بالحمد لله»، وفي بعضها: «بحمد الله»، وفي البعض: «أجذم»، وفي أخرى: «أقطع»، وفي خبر: «كل كلام»، وفي أثر: «يبدأ»، وفي آخر: «يفتتح»، وفي موضع وضع «الذكر» بدل «الحمد»، إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع، حتى قيل: إنه مضطرب سندًا ومتنًا، ولولا أنه في فضائل الأعمال ما اغتفر فيه ذلك»(2).
قال الإمام النووي: «قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم : يجوز ويستحب العمل في الفضائل، والترغيب، والترهيب بالحديث الضعيف، ما لم يكن موضوعًا، وأما الأحكام كالحلال والحرام والبيع والنكاح والطلاق - وغير ذلك - فلا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح، أو الحسن، إلا أن يكون في احتياط في شيء من ذلك، كما إذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع والأنكحة، فإن المستحب ينزه عنه ولكن لا يجب»(3).
وقد جاء في فتاوى الرملي إجمالا لذلك، ففيها : « (سئل) عن معنى قولهم: يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، هل معناه إثبات الحكم به؟ وإذا قلتم معناه ذلك، فما الجواب عن قول ابن دقيق العيد في كلامٍ على شروط العمل بالحديث، وأن لا يلزم عليه إثبات حكمٍ ؟
(فأجاب) بأنه قد حكى النووي في عدةٍ من تصانيفه إجماع أهل الحديث على العمل بالحديث الضعيف في الفضائل ونحوها خاصة، وقال ابن عبد البر: أحاديث الفضائل لا يحتاج فيها إلى من يحتج به، وقال الحاكم: سمعت أبا زكريا العنبري يقول: الخبر إذا ورد لم يُحَرِّم حلالا، ولم يُحَلِّل حرامًا، ولم يوجب حُكْمًا، وكان فيه ترغيب أو ترهيب، أغمض عنه وتسوهل في روايته.
ولفظ ابن مهدي، فيما أخرجه البيهقي في المدخل: إذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحلال، والحرام، والأحكام شددنا في الأسانيد، وانتقدنا في الرجال، وإذا روينا في الفضائل، والثواب، والعقاب، سهَّلنا في الأسانيد، وتسامحنا في الرجال.
ولفظ الإمام أحمد في رواية الميموني عنه : الأحاديث الرقائق يحتمل أن يتساهل فيها حتى يجيء شيء فيه حكم. وقال في رواية عياشٍ عن ابن إسحاق : رجل نكتب عنه هذه الأحاديث، يعني المغازي ونحوها، وإذا جاء الحلال والحرام أردنا قومًا هكذا، وقبض أصابع يديه الأربع.
وقد علم أن كلام ابن دقيق العيد موافق لكلام الأئمة، وهو خارج بقولهم: من فضائل الأعمال، وعلم أيضا أن المراد الأعمال، وعلم أيضا أن المراد بفضائل الأعمال: الترغيب والترهيب، وفي معناها القصص ونحوها»(4).
ومما ذكر نعلم أن الفقهاء والمحدثين تساهلوا في أبواب فضائل الأعمال، والترغيب والترهيب أبواب تساهل العلماء فيها باعتماد الحديث الضعيف والعمل به، فلا ينبغي الإنكار على ما ذهب إليه جماهير العلماء من جواز العمل بالحديث الضعيف في هذه الأبواب، وإن أراد أحدهم ألا يعتمد الحديث الضعيف في هذه الأبواب، وزعم أنه يتبع بذلك بعض العلماء، فله هذا، ولكن ليس له أن يحمل الناس على أن يتبعوا ما ذهب إليه، ويعلم أن الأمر سِعَة. نسأل الله الهداية والتوفيق والسداد. والله تعالى أعلى وأعلم.
قائمة المصادر والمراجع:
------------------------
1- فتاوى الرملي: شهاب الدين أحمد الرملي - المكتبة الإسلامية - القاهرة.
2- الأذكار: النووي - دار الهدى – الرياض.
3- مقدمة ابن الصلاح: أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري - مكتبة الفارابي، الأولى 1984م.
الهوامش:
---------------------
(1) مقدمة ابن الصلاح ص 25.
(2) تفسير الآلوسي، 1/37.
(3) الأذكار للنووي ص 5، 6.
(4) فتاوى الرملي 4/383. المصدر: قسم الأبحاث الشرعية بدار الإفتاء المصرية.
Selengkapnya..

Munaqosyah Ust. Solahuddin Abd. Rachman MA








Selengkapnya..

Munaqasyah Risalah Magister Ust. M. Khoyrurrijal






Selengkapnya..

إرضاع الكبير

أثارت الفتوى الصادرة عن أحد أساتذة الحديث بجامعة الأزهر الشريف حول " إرضاع الكبير " كثيراً من الحيرة والتساؤلات حول صحة القصة التى نسبت إليها الفتوى، وأصبح السؤال الذى يدور الآن فى الأذهان، هل الرضاعة في الكبر تحرم الزواج بين الرضيع ومن أرضعه؟ وهل ما ورد في قصة سالم أنه رضع وهو كبير من السيدة سهلة.... هل هذه القصة صحيحة؟ فبعض الناس يرى أن هذه القصة لا بد أن يحكم عليها بالبطلان حتى وإن جاءت في البخاري مسلم؟

يقول فضيلة العلامة الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي – رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين فى رده على هذه التساءلات:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد

...عمدة القائلين بأن الرضاعة تحرم ولو في الكبر:حديث عائشة وأم سلمة المشهور في قصة سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة بن عتبة ومولاهما سالم،والذي أخرجه الشيخان وأصحاب السنن والمصنفات والمسانيد.

ففي صحيح مسلم،عن عائشة قالت:جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت:يا رسول الله،إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم، ـ وهو حليفه ـ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:أرضعيه قالت:وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟! فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:قد علمت أنه رجل كبير[1].

وفي رواية أخرى لمسلم عن عائشة أيضا:"أن سالما مولى أبي حذيفة،كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم،فأتت (تعني ابنة سهيل) النبي صلى الله عليه وسلم،فقالت:إن سالما قد بلغ ما يبلغ الرجال،وعقل ما عقلوا، وأنه يدخل علينا،وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا.فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم:أرضعيه تحرمي عليه،ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة فرجعت،فقالت:إني قد أرضعته.فذهب الذي في نفس أبي حذيفة[2].

ولم يكن سالم بالنسبة لأبي حذيفة وأهله مجرد شخص أو حليف يعيش معهم في بيتهم، بل كان يعد واحدا منهم، وابنا لهم، إذ كان أبو حذيفة قد تبناه في الجاهلية،واعتبر ابنا له سنين عددا، حتى أبطل الإسلام التبني، وقد بينت ذلك أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ في رواية لها عند البخاري والبرقاني وأبي داود والبهيقي وغيرهم.

فروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها: أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ـ وكان ممن شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم ـ تبنى سالما ـ وأنكحه بنت أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنى النبي صلى الله عليه وسلم زيدا، وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس إليه، وورث من ميراثه، حتى أنزل الله: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ) (الأحزاب:5) فردوا إلى آبائهم فمن لم يعلم له أب كان مولى وأخا في الدين، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري ـ وهي امرأة ابي حذيفة بن عتبة ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالما ولدا، وقد أنزل الله فيه ما قد علمت.. فذكر الحديث[3].

قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": ساق بقيته البرقاني وأبو داود " فكيف ترى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرضعيه. فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنـزلة ولدها من الرضاعة"[4].

فبذلك كانت عائشة تأمر بنات إخوتها وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها ـ وإن كان كبيرا ـ خمس رضعات ثم يدخل عليها، وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم،أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحدا من الناس حتى يرضع في المهد[5].

وفي صحيح مسلم عن زينب بنت أم سلمة: أن أم سلمة قالت لعائشة: إنه يدخل عليك الغلام الأيفع " أي الذي قارب البلوغ " الذي ما أحب أن يدخل علي... فقالت عائشة: أما لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم،أسوة؟ وذكرت قصة امراة أبي حذيفة[6].

وفي مسلم أيضا عن زينب: أن أمها أم سلمة ـ زوج النبي صلى الله عليه وسلم ـ كانت تقول: أبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة وقلن لعائشة: والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لسالم خاصة، فما هو بداخل علينا أحد ـ بهذه الرضاعة ـ ولا رائينا".

وهذا ـ أي حمل الحديث على الخصوصية لسالم ـ هو أحد المخارج من هذا الحديث الذي جاء مخالفا لما دلت عليه الدلائل التي سقناها من قبل: أن الرضاعة المؤثرة ما كانت في وقت الصغر وتكوين اللحم والعظم. وحكى الإمام الخطابي عن عامة أهل العلم: أنهم حملوا الأمر في ذلك على أحد وجهين: إما على الخصوص وإما على النسخ، ونحوه عن ابن المنذر.

وقد تعقبت دعوى النسخ بأنه متوقف على معرفة التاريخ. على أن قولها للنبي صلى الله عليه وسلم: كيف أرضعه وهو رجل كبير؟، دالّ على تأخره عما دل على اعتبار الصغر. فلم يبق إلا أنها واقعة عين توقف على محلها.

ودافع بعض العلماء عن عائشة بأن الأصل عدم الخصوصية، والتخصيص يفتقر إلى دليل وأين هو؟

وأجيب: إن الدليل هو الآية والأحاديث والآثار التي قيدت الرضاعة بما كان في الحولين وفي الثدي ـ أي وقت حاجة الرضيع إليه، واستغنائه به، وهذا التأويل هو ما فهمته أم سلمة وسائر أمهات المؤمنين. يؤيد ذلك أن مباشرة الرجل الأجنبية ممنوعة قطعا بالإجماع. وهو حكم عام مستمر، فهذا أقوى من الحديث المذكور. فيتعين صحة اجتهاد أم سلمة ومن معها، وخطأ اجتهادها، رضي الله عنهن جميعا.

وقد تعرض القاضي عياض لدفع ما ذكر من المباشرة بأن سهلة لعلها حلبته ثم شربه من غير أن يمسّ ثديها.

قال النووي: وهذا حسن، ويحتمل أنه عفي عن مسه للحاجة، كما خص بالرضاعة مع الكبر أ.هـ[7].

وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الرضاع يعتبر فيه الصغر، إلا فيما دعت إليه الحاجة، كرضاع الكبير الذي لا يستغنى عن دخوله إلى المرأة، ويشق احتجابها عنه، كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة، فيكون في مثله مؤثرا، وأما من عداه فلا بد من الصغر. وفي هذا جمع للأحاديث الواردة، والعمل بها مهما أمكن هو الواجب[8].

وأيد الإمام ابن القيم هذا المسلك لشيخه، وقال: والأحاديث النافية للرضاع في الكبر، إما مطلقة فتقيد بحديث سهلة، أو عامة في الأحوال، فتخصص هذه الحال من عمومها، وهذا أولى من دعوى النسخ، ودعوى التخصيص لشخص بعينه، وأقرب إلى العمل بجميع الأحاديث من الجانبين وقواعد الشرع تشهد له [9].

قال العلامة الشوكاني في "نيل الوطار ": وهذا هو الراجح عندي، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث، بأن تجعل قصة سالم المذكورة مخصصة لعموم " إنما الرضاعة من المجاعة " ولا رضاع إلا في الحولين"...إلخ. وهذه طريق متوسطة بين طريقة من استدل بهذه الأحاديث على أن لا حكم لرضاع الكبير مطلقا، وبين من جعل رضاع الكبير كرضاع الصغير مطلقا، كما لا يخلو عنه كل واحدة من هاتين الطريقتين من التعسف [10].

ولقد تناولت بعض الأقلام في بعض الصحف المصرية هذا الحديث وما فيه من إرضاع سهلة لسالم، منكرين له متهجمين على كل من رواه أو نشره، أو استشهد به في كتاب، وتطاولوا على فضيلة الشيخ سيد سابق لذكره هذا الحديث في كتابه "فقه السنة" سالكين هذا الحديث ضمن الموضوع المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لا يعقل في نظرهم أن يرضع رجل كبير من امرأة، وكيف يأذن له النبي صلى الله عليه وسلم ولها في ذلك؟ وإذ لم يعقل ذلك، فالحديث مكذوب وإن ورد في البخاري ومسلم!!

ولا ريب أن الاجتراء على رد الأحاديث الثابتة بهذه السهولة، والتطاول على الأئمة الأعلام بمثل هذه الجرأة، بل الوقاحة، لا يتأتى من إنسان شم رائحة العلم، وعايش أهله أحياء في حلقاتهم، أو أمواتا في كتبهم. إنما هو شأن (الأدعياء) المتطفلين على موائد العلم وأهله، أو (الخطافين) المتسرعين المغرورين، الذين فقدوا فضيلة التواضع فلم يسألوا، وفقدوا خلق الأناة فلم يتثبتوا، وفقدوا أصالة العلم، فلم يتبينوا.

إن هذا الحديث لم يذكره كتاب ولا اثنان ولا ثلاثة، ولم يروه صحابي أو اثنان فحسب، ولا تابعي أو اثنان، إنه ـ كما قال الإمام ابن حزم ـ منقول نقل الكافة عن الكافة، ثم إنه حديث شغل الصحابة وأمهات المؤمنين منذ العصر الأول، وشغل التابعين وأتباع التابعين وأئمة الفقهاء من بعدهم، وقسمهم شطرين، شطر يؤيده ويأخذ بظاهره، ويرى الرضاع محرما في الصغر والكبر.

وشطر يتخذ منه موقفا آخر يتمثل في القول بالخصوصية لسالم، أو القول بأنه منسوخ، أو القول بأنه رخصة للحاجة.

قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار:

" هذا حديث قد رواه من الصحابة أمهات المؤمنين وسهلة بنت سهيل، وهي من المهاجرات وزينب بنت أم سلمة وهي ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم". ورواه من التابعين: القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وحميد بن نافع، ورواه عن هؤلاء الزهري،ثم رواه عن هؤلاء أيوب السختياني وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة وشعبة، ومالك وابن جريح، وشعيب ويونس وجعفر بن ربيعة ومعمر وسليمان بن بلال وغيرهم. وهؤلاء هم أئمة الحديث المرجوع إليهم في أعصارهم، ثم رواه عنهم الجم الغفير والعدد الكثير، وقد قال بعض أهل العلم: إن هذه السنة بلغت طرقها نصاب التواتر. وقد استدل بذلك من قال إن إرضاع الكبير يثبت به التحريم.أ.هـ[11].

وأعتقد أن حديثا بهذه الدرجة من الصحة والقوة والشهرة التي جعلت بعض العلماء يبلغ به إلى مرتبة التواتر اليقني لا يجوز، في منطق العلم، وعرف العلماء ـ أن يتهور متهور، فيرمية بأنه حديث باطل أو مكذوب!! دون أن يكلف نفسه الرجوع إلى مصادر الحديث، ورأي علماء الأمة فيه، وكأنه نصب نفسه وحده حكما على الأمة كلها منذ عهد الصحابة إلى اليوم، فما قبله فهو المقبول، وما رفضه فهو المرفوض!

إن الاستهانة بالعلم وبالعقول إلى هذا الحد، أمر لا يقبل بحال.

والله أعلم .

[1]صحيح مسلم بتحقيق فؤاد عبد الباقي ـ المجلد الثاني ـ كتاب الرضاع:حديث (1453)ص1076.

[2]المصدر نفسه.

[3]صحيح البخاري مع فتح الباري ـ كتاب النكاح ـ باب الأكفاء في الدين ج11 ص33،34ط الحلبي.

[4]فتح الباري المذكور ص34،35.

[5]المصدر نفسه.

[6]صحيح مسلم السابق،حديث رقم 29.

[7]انظر:الروض النضير ج4ص315.

[8]- المصدر نفسه ص316.

[9]زاد المعاد ج4ص355ط،السنة المحمدية بتحقيق محمد حامد الفقي.

[10]نيل الأوطار (7/122،123)دار الجيل ـ لبنان.

[11]نيل الأوطار ج7ص119.




Selengkapnya..

لا تشــد الرحــال

يخطئ كثير من الناس في فهم حديث :
((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى)) ..
فيستدلون به على تحريم شد الرحل لزيارة النبي صلى الله ويعتبرون أن السفر بذلك سفر معصية ، وهذا الاستدلال مردود ، لأنه مبني على فهم باطل ، فالحديث كما سترى في باب ، والاستدلال في باب آخر ، وبيان ذلك هو أن قوله صلى : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد . جاء على الأسلوب المعروف عند اللغويين بأسلوب الاستثناء ، وهذا يقتضي وجود مستثنى ومستثنى منه ، فالمستثنى هو ما كان بعد إلا ، والمستثنى منه هو ما كان قبلها ، ولابد من الأمرين ، إما وجوداً أو تقديراً ، وهذا مقرر ومعروف في أبسط كتب النحو .
وإذا نظرنا إلى هذا الحديث وجدنا أنه قد جاء فيه التصريح بذكر المستثنى وهو قوله : (إلى ثلاثة مساجد) وهو ما بعد ((إلا)) ولم يأت ذكر المستثنى منه وهو ما قبل ((إلا)) فلابد إذن من تقديره .
فإن فرضنا أن المستثنى منه [قبر] كان اللفظ المنسوب لرسول الله صلى الله عليه وسلم
لا تشد الرحال إلى قبر إلا إلى ثلاثة مساجد . وهذا السياق ظاهر في عدم الانتظام وغير لائق بالبلاغة النبوية ، فالمستثنى غير داخل ضمن المستثنى منه ، والأصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه ، ولا يطمئن قلب عالم يتحرج من نسبة كلام للمصطفى صلى الله عليه وسلم لم يقله إلى نسبة هذه اللفظة [قبر] وهي لا تتفق مع الأصل في الاستثناء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تصلح أن تكون هي المستثنى منه ، فلنفرض أنها لفظ [مكان] فيكون السياق المنسوب لرسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الفرض ، لا تشد الرحال إلى مكان إلا إلى ثلاثة مساجد ، ومعنى هذا ألا تسافر إلى تجارة أو علم أو خير ، وهذا ضرب من الهوس ظاهر البطلان .
فالحديث اشتمل على ذكر المستثنى وليس فيه ذكر المستثنى منه ، ولذلك فلابد من تقديره باتفاق أهل اللغة ، وتقديره لا يحتمل إلا ثلاثة وجوه لا رابع لها الوجه الأول : أن يكون تقديره بلفظ [ قبر] فيكون اللفظ المقدر : لا تشد الرحال إلى قبر إلا إلى ثلاثة مساجد .
وهذا التقدير مبني على رأي من يستدل بالحديث على منع السفر للزيارة ، وأنت ترى أنه تقدير بارد ممجوج لا يستسيغه من عنده أدنى إلمام بالعربية ، وهو لا تليق نسبته إلى أفصح من نطق بالضاد صلوات الله وسلامه عليه ، فحاشا أن يرضى بمثل هذا الأسلوب الساقط .
الوجه الثاني : أن يكون تقدير المستثنى منه في الحديث بلفظ عام وهو لفظ [ مكان ] وهذا باطل كما تقدم بلا خلاف ولا قائل به .
الوجه الثالث : أن يكون تقدير المستثنى منه في الحديث بلفظ [ مسجد ] فيكون سياق الحديث بلفظ : لا تشد الرحال إلى مسجد إلا إلى ثلاثة مساجد . فنرى أن الكلام قد انتظم وجرى على الأسلوب اللغوي الفصيح ، واختفى التهافت الواضح في الصورتين المتقدمتين وأشرقت فيه روح النبوة . ويطمئن القلب التقي إلى نسبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذا بفرض أنه لا توجد رواية أخرى مصرحة بالمستثنى منه فإذا وجدت هذه الرواية فلا يحل لمن له دين أن يعدل عنها إلى محض فرض لا يستند إلى فصيح اللغة .
وقد وجدنا بحمد الله في السنة النبوية من طريق الروايات المعتبرة ما فيه التصريح بالمستثنى منه ، فمنها : ما أخرجه الإمام أحمد من شهر بن حوشب قال : سمعت أبا سعيد وذكرت عنده الصلاة والسلام في الطور فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((لا ينبغي للمطي أن يشد رحاله إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي)) ..
قال الحافظ ابن حجر : وشهر حسن الحديث وإن كان فيه بعض ضعف .
(فتح الباري ج3 ص65) .
وفي لفظ آخر :
((لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا)) ..
قال الحافظ الهيثمي : وفيه شهر ، فيه كلام وحديثه حسن .
(مجمع الزوائد ج4 ص3)
ومنها ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((أنا خاتم النبياء ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء أحق المساجد أن يزار وتشد إليه الرواحل : المسجد الحرام ومسجدي ، صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام)) ..
رواه البزار . (مجمع الزوائد ج4 ص3)
فكلامه صلى الله عليه وسلم في المساجد ليبين للأمة أن ما عدا هذه المساجد الثلاثة متساو في الفضل ، فلا فائدة في التعب بالسفر إلى غيرها ، أما هي فلها مزيد فضل ، ولا دخل للمقابر في هذا الحديث فإقحامها في هذا الحديث يعتبر ضرباً من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذا مع أن الزيارة مطلوبة بل وكثير من العلماء يذكرونها في كتب المناسك على أنها من المستحبات ، ويؤيد هذا أحاديث كثيرة ، نذكر جملة منها .
عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) ..
رواه البزار وفيه عبد الله بن إبراهيم الغفاري وهو ضعيف ، ونقله الشيخ ابن تيمية ، وقال : إنه ضعيف ولم يحكم بوضعه أو كذبه اهـ . (الفتاوى ج27 ص30) في هذا الموضع ، فإن ثبت غير هذا عنه في موضع آخر فمعناه أنه متردد في الحكم عليه ، أو أنه اختلف رأيه فيه ولم نعلم المتقدم من المتأخر فلا يوثق بواحدة حينئذ .
عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((من جاءني زائراً لا يعلم له حاجة إلا زيارتي كان حقاً عليَّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة)) ..
رواه الطبراني في الأوسط والكبير ، وفيه مسلمة بن سالم وهو ضعيف .
(كذا في المجمع ج4 ص2) .
وقال الحافظ العراقي : صححه ابن السكن (المغني ج1 ص265) .
عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
((من حج فزار قبري في مماتي كان مكن زارني في حياتي)) ..
رواه الطبراني في الكبير والأوسط ، وفيه حفص بن أبي داود القارئ وثقه أحمد ، وضعفه جماعة من الأئمة .
عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((من زار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي)) ..
قال الهيثمي : رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه عائشة بنت يونس ، ولم أجد من ترجمها (كذا في مجمع الزوائد 4/2) .
والحاصل أن أحاديث الزيارة لها طرق كثيرة يقوي بعضها بعضاً ، كما نقله المناوي عن الحافظ الذهبي في فيض القدير (ج6 ص140) خصوصاً وإن بعض العلماء صححها أو نقل تصحيحها كالسبكي وابن السكن والعراقي والقاضي عياض في الشفا ، والملا علي قاري شارحه والخفاجي كذلك في نسيم الرياض (ج3 ص511) ، وكلهم من حفاظ الحديث وأئمته المعتمدين ، ويكفي أن الأئمة الأربعة رضي الله عنهم وغيرهم من فحول العلماء وأركان الدين قالوا بمشروعية زيارة النبي صلى الله عليه وسلم كما نقله عنهم أصحابهم في كتب فقههم المعتمدة ، وهذا كاف منهم في تصحيح أحاديث الزيارة وقبولها لأن الحديث الضعيف يتأيد بالعمل والفتوى ، كما هو معروف من قواعد الأصوليين والمحدثين .



خادم العلم الشريف بالبلد الحرام
الدكتور محمد علوي المالكي الحسني

Selengkapnya..

فك العُقدة عن إشكالات البُردة

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على إمامنا وشفيعنا وملاذنا يوم الدين , سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين وعلى آلهِ وصحبهِ الغرِ الميامين
أما بعد :-

فإن هذا مُلخصٌ للدفاع عن أعراض وعقائد رجال الحق من علماء الأمة وسلفها الصالح ممن طعن فيهم من بعض المتعالمين بعلم من قال عنهُ عليه الصلاة والسلام ( صَدَقَكَ وهو كذوب ) المُتلبسين بصورةٍ يظنون أنها حقيقة التوحيد وهي في الأصل سراب مجرد من أي توحيد, الذين أرادوا أن ينزهو المولى القدير ، فوقعوا من حيث لايشعرون في حقهِ سبحانهُ وتعالى بما يُفضي إلى الكفر وسئ المصير ، وأرادوا تعظيم النبي ذو القدر الجليل فوضعوا من قدرهِ بكلامٍ مفلسٍ من الحجةِ والدليل ، وخاصة من أناسٍ يُشار إليهم بالبنان بأنهم من أهل العلم والجرح والتعديل !
مستفتحاً هذا الرد والتعقيب بحمد الله القريب المجيب .
فأقول :-
إن قصيدة البردة أو المسماة أيضاً بـ ( البُرأة ) للإمام محمد ابن سعيد البوصيري المولود سنة 608هـ رحمهُ الله تعالى رحمةًً واسعة لم تكن وليدة هذا العصر الذي يكادُ أن يكون جُل بل كُل علمائهِ هم من العالة المتطفلين على علماء الأمة من السلف الصالح رضي الله عنهم .
فإن الإمام البوصيري رحمهُ الله تعالى ألف هذهِ القصيدة في أوائل القرن السابع الهجري أي أن لها ما يُقارب الثمانمائة سنة هجرية .
فكم من عالمٍٍ من علماء الأمة الذين لهم ثقلهم مروا بهذه الحقبة الزمنية ومرت على آذانهم هذه القصيدة العصماء وهم مابين مُفسرٍ وفقيهٍ ومحدثٍ ومؤرخ وحافظٍٍ وغيرهم من علماء العلوم الشرعية .

ومن هُنا أطلقُ عنان القلمِ قائلاً :ــ
إن القول على البوصيري بالشرك لإيراده أبيات يظنها بعض الناس أنها شرك ينجرُ بلا شكٍ ولا ريب على كل عالمٍ من علماء الأمة اللذين شرحوا هذه القصيدة شرحاً لغوياً وافياً مُتلقين لها بالإستحسان والقبول .
وقبل الإسترسال في الكلام أودُ أن أُبين لكلِ قارئ مُنصفٍ يخشى الله ويتقيهِ مَنْ هم الذين شرحوا هذهِ القصيدة وما هي مكانتهم بين علماء المسلمين؟ حتى يتبين لهُ من هو المخطئ من المصيب وذلك بعد أن يضع هؤلاء العلماء في كفة ويضع الطرف الآخر المتطاول على هذه القصيدة بجهلهِ في الكفة الأخرى .

فأولهم: المُحدث الكبير الإمام شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني المتوفى سنة 923، وهو صاحب كتاب ( إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري ) وكتاب ( المواهب اللدنية بالمنح المحمدية ) وسمى شرحهُ على البردة ( الأنوار المُضية في شرح الكواكب الدُرية ) .

والثاني: ــ : الإمام الحافظ المحدث الفقيه نور الدين مُلا علي قاري الحنفي صاحب كتاب ( الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ) وكتاب ( المِنح الفكرية على متن الجزرية ) وكتاب ( المورد الروي في المولد النبوي )وكتاب( شرح الفقه الأكبر ) المتوفى سنة 1014
والثالث: ــ جلال الدين المحلي المتوفى سنة 864 هـ وهو صاحب كتاب ( تفسير الجلالين ) و كتاب ( شـرح الـورقات في أصول الفقه ) وهو شيخ الحافظ جلال الدين السيوطي رحمهُ الله الذي أكمل تفسير الجلالين بعد وفاته.
الرابع : العلامة الكبير الزركشي محمد ابن بهادر صاحب كتاب ( النكت على مقدمة ابن الصلاح ( و كتاب ( البرهان فى علوم القرآن ( المتوفى سنة 794 هـ .
الخامس : الإمام اللغوي خالد الأزهري مؤلف كتاب ( التصريح على التوضيح ) وكتاب ( تهذيب اللغة ) وكتاب (موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب ) المتوفى سنة 905هـ .
السادس : - الشيخ الباجوري صاحب كتاب ( شرح جوهرة التوحيد ) المتوفى سنة 1276هـ
السابع :- الإمام النحوي ابن هشام الحنبلي المتوفى سنة761هـ فقد شرح قصيدة البردة شرحاً لغوياً سماهُ بـ ( الكواكب الدرية )

الثامن :- محمد بن أحمد ابن مرزوق التلمساني صاحب كتاب ( مفتاح الوصول الى بناء الفروع على الاصول )المتوفى سنة 842 هـ .
التاسع :- ابن العماد صاحب كتاب ( شذرات الذهب ) المتوفى سنة 808 هـ .
العاشر : - شيخ الإسلام القاضي زكريا بن محمد الأنصاري المتوفى سنة 926هـ وسماهُ ( الزبدة الرائقة في شرح البردة الفائقة ) .
الحادي عشر:- محمد علي بن علاَّن الصدّيقي المكي صاحب كتاب ( الذخر والعدة في شرح البردة )
الثاني عشر : ابن الصائغ المتوفى سنة 776 هـ .
الثالث عشر:- علاء الدين البسطامي المتوفى سنة 875 هـ.
الرابع عشر : محمد بن عبد الله بن مرزوق المالكي المغربي المتوفى سنة 781 هـ
الخامس عشر : - الشيخ القاضي بحر بن رئيس الهاروني المالكي .
السادس عشر : - علي القصاني المتوفى سنة 891 هـ .
وغيرهم الكثير مما لايتسع المجال لحصرهم .

فيا أمة التوحيد هل هؤلاء العلماء أهل المعرفة باللغة العربية والذين خدموا السنة المطهرة لم يعوا ولم يتفطنوا للأبيات التي يزعم المتطاول الجاهل باللغة العربية أنها شركية ومن أجل ذلك شنّ هذهِ الحرب الشعواء على هذهِ القصيدة ؟
وهنا ملحظٌ هام يجب التنبيهُ اليهِ وهو :
إما أن هذا المنتقد فهم وعلم بما تكتنفهُ جوانبهُ من علوم اللغة العربية مالم يفهمهُ ويعلمهُ هؤلاء العلماء الذين شرحوا هذهِ القصيدة ؟
وإما أن هؤلاء العلماء علموا وعرفوا أن في هذه القصيدة أبياتً شركية ولكن اطمئنت نفوسهم اليها وأقرّوها فأصبحوا من دعاة الشرك ولذلك تفننوا في شرحها ونشروها بين الناس !
ومن هنا ابتدئ بذكر الأبيات التي كانت السبب في ادعاء من ادعي من إخواننا هداهم الله أنها شركية وأقام الدنيا وأقعدها ، والتي سوف تبين لك أخي القارئ افتقار هذا المدّعي لأبسط مبادئ اللغة العربية ، مستعينا بالله فأقول: ــ

قال البوصيري رحمهُ الله :- يا أكرم الخلق مالي من ألوذ بهِ : سواك عند حلول الحادث العممِ

وقال ايضاً :- فإن من جودك الدنيا وضرتها : ومن علومك علـم اللوح والقلمِ

وقبل أن اتطرق للشرح أود أن أبين مسألة مهمة في العقيدة ... يجب فهمُها على الوجهِ الصحيح
لأن بعض من ينتسب الى العلم ! سامحهُ الله وغفر لهُ قال ما نصهُ :-

[ مثل هذهِ الأوصاف لا تصح إلا لله – عز وجل – وأنا أعجب لمن يتكلم بهذا الكلام إن كان يعقل معناهُ كيف يسوّغ لنفسهِ أن يقول مُخاطباً النبي – عليه الصلاة والسلام - فإن من جودك الدنيا وضرتها. (ومن) للتبعيض، والدنيا هي الدنيا وضرتُها هي الآخرة، فإذا كانت الدنيا والآخرة من جود الرسول عليه الصلاة والسلام – وليس كل جودهِ فما الذي بقي لله عز وجل ؟ ما بقي لهُ شيء من الممكنلا في الدنيا ولا في الآخرة وكذلك قولهُ : ومن علومك علم اللوح والقلم . (ومن) هذه للتبعيض ولا أدري ماذا يبقى لله تعالى من العلم إذا خاطبنا الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الخطاب؟. ] اهـ كلام المعترض هداهُ الله .
وقبل أن أخوض في الرد التفصيلي على تلك الشبهات و الإثارات نتساءل:-

هل علم الله تعالى محدود ؟ هل جودهِ وكرمهُ محدودان ؟ هل كُل ما في اللوح المحفوظ هو كُل مافي علم الله تعالى ؟
تساؤلات يجب على كل منصف الأجابة عليها .


الجواب على هذه الأسئلة والذي يتبادر إلى ذهن عوام المسلمين فضلاً عن علمائهم ، أن الله تعالى لا نهاية لكمالهِ ولا حدود لصفاتهِ ، لأنهُ ليس كمثلهِ شي وهو السميع البصير فكل من اعتقد المحدودية في ذات الله تعالى أو في صفاتهِ ، أو حَصَر علم الله في شيء مخلوق كاللوح والقلم فقد أخطأ الصراط المستقيم واتبع السُبل، لأنهُ هدم أعظم ركن من أركان الإسلام وهو التوحيد الذي يقتضي تقديس الله تعالى عن مشابهة المخلوقات في ذاته وصفاته وأفعالهِ.


( بيان خطر ذلك على العقيدة )


وهنا يقف الإنسان مُندهشاً أمام هذا الكلام، و الاعتقاد الخاطئ , فَمنْ وصف صفات الله عز وجل بالتناهي والحد ، فقد أساء إساءة كبيرة وخطيرة تمسُ العقيدة الإسلامية.
وتأملوا هذا القول الخطير للمعترض هداهُ الله إذ يقول :[ فإذا كانت الدنيا والآخرة من جود الرسول عليه الصلاة والسلام وليس كل جوده ، فما الذي بقي لله عز وجل ؟ ما بقيله شيء من الممكن لا في الدنيا ولا في الآخرة ]
لعلكم أدركتم خطورة هذا الفهم للصفات الإلهية.
وخطورةُ هذا الكلام – لمن لم يدرك حتى الآن مكمن الخطورة فيه – تكمن في تحديد دائرة الجود والكرم الإلهي في نطاق الخلق، وهذا يدل على محدودية صفة الجود، والحد من تعلق هذه الصفة في الجائزات يُفضي إلى تصور الحصر في الذات الإلهية، وهذا يتنافى مع تنزيه الخالق سبحانهُ وتعالى، ويتنافى مع ما يجب اعتقاده من كمال الله عز وجل، الذي لا يحدُ كرمهُ، ولا يُحصر جودهُ ، ولا يعجزهُ إيجاد مسالك لكرمهِ وجودهِ.
ولا أدري؟ كيف يفهم المعترض قول الله تعالى كما ورد في الحديث القدسي الجليل، الذي خَرَّجه مسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وفيه :- [ لو أن أولكم و آخركم و إنسكموجنكم، قاموا على صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كُل واحدٍ مسألتهُ ما نقصذلك من مُلكي إلا كما ينقُص المخيط إذا أدخل البحر].

ونقص المخيط من البحر هو من باب التمثيل، للتقريب للأذهان، وإلا فلا نسبة هُنا وإن دقت – تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .
فَتَوَهُّمُ أن الجود الإلهي مُنحصر في الدنيا والآخرة فقط ، مُعارض لأمثال هذا النص المتقدم ، الذي يفيد:
أن جود الله لا يتناهى، ولا يُحد، ولا يُعد ، وإذا كانت الدنيا والآخرة – وهما مما يُتصور من سؤال الإنس والجن – لا تُنقصان ملك الله عز وجل إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر فكيف يصحُ لمسلمٍ أن يفهم أن الجود والكرم الإلهي محدودٌ بهما ؟ وأين باقي هذا البحر الذي لم يذهب منهُ إلا ما أنقصهُ المخيط ؟
سبحان الله وتبارك وتقدس أن يُحد جودهُ وكرمهُ ، أو أن يُماثلهُ شيء من خلقهِ.
الخطأ في تصوّر العلم الإلهي و تحديدهُ )


قول المعترض هداهُ الله في معنى البيت الثاني :- [ ومن علومك علم اللوح والقلمِ .. ولا أدري ماذا يبقى لله تعالى من العلم إذا خاطبنا الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الخطاب] اهـ كلام المعترض
وهذا كلام خطير جداً يمس جانب العقيدة مساً واضحاً بيناً، لأن الله تعالى لا يُحدُ علمُهُ ولا يُحاطُ بهِ، تعالى عن ذلك علواً كبيراً… فعلمهُ سبحانهُ المتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات، لا يوصف ببداية ولا ينعت بنهاية ، ولا تحدهُ غاية، سبحان الله عما يصفون ويتوهمون.
ومنشأ هذا الخطأ هو تصوّره أن علم الله تعالى محدود باللوحِ والقلم أو الدنيا والآخرة؟!
ولا أدري كيف يتصور عاقل فطن أن اللوح والقلم، وهما مخلوقان من خلق الله يستوعبان كل علم الله تعالى ، فيحصر بهذا التصور العلم والقدرة الإلهيين فيهما.
فسبحان الله، لعلكم نسيتم قصة الخضر الثابتة في الصحيح: …… فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهما ، فعُرِف الخضرُ فحملوهما بغير نول، فجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر نقرة أو نقرتين في البحر، فقال الخضر : يا موسى، ما نقصعلمي وعلمك من علم اللهإلا كنقرة هذا العصفور في البحر… الحديث.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: " وقد وقع في رواية ابن جريج بلفظ أحسن سياقاً وهو:
[ ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره من البحر ].
وهذا من باب إيضاح المعنى بالمثال ، وإلا فعلمُ الله لا يُحد كما يُحد البحر مهما عظُم واتسع . يقول ربنا عز وجل: ]قل لو كان البحرُ مداداً لكماتِ ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلماتُ ربي ولو جئنا بمثله مدداً[
وهنا يتبادر إلى عقل المسلم السؤال التالي:
إن كان علم الله كُلهُ محصور باللوح والقلم كما هي دعوى المعترض فأين كان علم الله قبل خلقهما ؟ وهل الله سبحانهُ وتعالى لم يكن يعلم شي قبل خلقهما ؟! تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا . فهو سبحانهُ وتعالى لا يُوصف بأين ولا يُنعت بكيف. ثم ألم يتفطن إلى أن حصر العلم في المتناهي من صفات علم المخلوقين وهذا تشبيه للباري بخلقهِ ؟ وهو يعلم خطورة التشبيه في العقيدة الإسلامية وموقف علماء الإسلام من المشبهة.
]إن الله كان بكل شيء عليماً[النساء 32 وقوله تعالى:] وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً [الإسراء 36
واللوح والقلمشيئان من الأشياء الكثيرة التي خلقها الله تعالى … وكأنما غفلتم عن قولهِ عليهِ الصلاة والسلام:[ إن أول ما خلق الله القلم فقال لهُ : اُكتب فقال : رب وماذا أكتب؟ قال : اكتب مقادير كل شيءحتى تقوم الساعة] .
ومن الواضح أن ما بعد يوم القيامة من عوالم لم يُسجلها القلم كما يُفهم من هذا الحديث، فما المانع أن يُطلع الله من يشاء من خلقهِ على هذهِ العوالم التي لم يُسجلها القلم، ولم تُحفظ في اللوح المحفوظ، ولا سيما حبيبهُ ورسولهُ وخاتم الأنبياء صلى الله عليهِ وآلهِ وسلم وخاصة أن نصوصاً كثيرة جاءت لتكشف عن ذلك وسيأتي ذكرها.
والمشكلة هُنا أنهم يخلطون بين الأسباب ومسبباتها، ولا يفرقون بين السبب الظاهر والسبب الخفي، ويغفلون عن أن الله تعالى ربط الأسباب بالمسببات.
والعجب أنهم يتناقضون بفتوى أخرى يُقرونها و هي جواز قول [ الله ورسولهُ أعلم ] لأن علم الرسول من علم الله، فالله تعالى هو الذي يُعلِّمه ما لا يدركهُ البشر، ولهذا أتى بالواو.


( توضيح الأبيات كما فهمها العلماء الثقات )


والآن ماذا يعني البوصيري رحمه الله تعالى بهذه الأبيات ، وهل كفر من أُعجب بقصيدته وأحبها ؟
كما يعتقد ذلك بأنه من الغلو بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم المؤدي إلى الشرك الأكبر المخرج عن الملة الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه يحارب الناس عليه، ويستبيح دماءهم وأموالهم و دراريهم فإننا نسمع من يقول أنهُ يُلقى في هذه الاحتفالات من القصائد ما يُخرج عن الملة قطعاً كما يرددون قول البوصيري يا أكرم الخلق…" ثم ذكر الأبيات المتقدمة!!!
ونحنُ نقول إن العشرات من الأعلام والعلماء الراسخين في العلم شرحوا هذه القصيدة وتفننوا في شرحها كما ذكرتُ في مقدمة هذا التعقيب . فهل كلهم دعاة إلى الشرك الأكبر؟ نسأل الله العافية والسلامة
وقانا الله مزالق الردى، وحفظنا من سبق الوهم ، ورسوخهِ في النفس ، وعافانا من الشذوذ عن السواد الأعظم لهذه الأمة.
أما قولهِ : يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به : سواك عند حلول الحادث العمم


ولن يضيق رسول الله جاهك بي : إذا الكريم تجلـى بـاسم منتقـم


قال الشيخالعلامة النحوي خالد الأزهري صاحب كتاب تهذيب اللغة وهو من فطاحلة اللغة العربية شارحاً هذا البيت حيثُ يقول:-
يا أكرم كُل مخلوق مالي غيرك ألتجئ إليهِ يوم القيامة من هولهِ العميم، والخلق متطلعون إلى جاهك الرفيع ، وجنابك المنيع، ولن يضيق بي جاهُك يا رسول الله إذا اشتد الأمر وعيل الصبر وانتقم الله تعالى ممن عصاه ….
والناظم هنا يتحدث عن موقف المقام المحمود الذي يقفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما تدنو الشمس من الخلائق، ويطول الأمر بالناس وهم في خوف وضجر وقلق شديد، حتى يتمنى الكفار أن يُذهب بهم ولو إلى النار، فيلجأون إلى الأنبياء بدءاً من آدم ثم نوح فإبراهيم فموسى فعيسى عليهم الصلاة والسلام، وكلهم يعتذر، ويأبى الشفاعة ، ولا تهمهُ إلا نفسهُ في ذلك الموقف ثم يلجأون إلى سيدنا محمد صلى الله عليهِ وآلهِ وسلم فيقول : أنا لها.
والشاعر يذكُر رسول الله بهذه الخُصوصية الجليلة العظيمة التي دلت عليها الأحاديث الصحيحة وفي الحديث: [ فيلهمني الله محامد لا أقدر عليها الآن فأحمده بتلك المحامد، ثم يقال : يا محمد ارفع رأسك، وسل تعطه واشفع تشفع ] الحديث.
والشاعر البوصيري رحمه الله يذكر الشفاعة الكبرى التي دلت عليها الأحاديث الصحيحة وهي خاصة بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وهناك أنواع أخرى من الشفاعات الخاصة لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم غير هذه الشفاعة لا مجال هنا للحديث عنها ؛ فهل في هذا ما يمس العقيدة في شيء ؟
بل هل هذا إلا محض الإيمان؟ والإيمان بالشفاعة من الأمور التي يتميز بها أهل السنة والجماعة بخلاف بعض المبتدعة الذين أنكروا شفاعتهُ صلوات الله وسلامهُ عليه.
ولا أدري إن كان بعض الناس يثيرهُ أن يوصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه أكرم الخلق …! علماً بأن هذهِ الخصوصية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المسَلَّمات عند المسلمين، والأحاديث التي تؤكد هذا المعنى كثيرة جداً مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: [ أنا أكرم ولد آدم على ربي ] أخرجه الترمذي و الدارمي ومثل قولهِ صلى الله عليه وآله وسلم :[ أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ].
وأما قولهُ : مالي من ألوذ بهِ ، فهو من الأمور المسلمة عند من يقرأ أو قرأ حديث الشفاعة العامة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد تقدمت الإشارة إليه ، وهذا المقام الكريم ثابت لرسول الله في القرآن قبل السنة ، قال الله تعالى:] ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً[الإسراء.
ولا ندري ماذا سيقول المعارضون في مقولة سيدنا حسان بن ثابت كما في أسد الغابة عندما قال :-



يا رُكن مُعتمد ٍوعِصمةلائذٍ : وملا ذَ مُنتجع وجار مُجاورٍ


وسميت الشفاعة العظمى بالمقام المحمود، لأن جميع الخلق المؤمنين، والكافرين، الأتقياء والفجار يحمدون لهُ هذا الموقف.
وكونهُ صلى الله عليه وآله وسلم ( الملاذ الوحيد ) يومئذٍ واضح جلي، فكل الأنبياء والمرسلين يعتذرون عن الشفاعة في ذلك المقام وكلهم يقول: نفسي نفسي.
وقد يسأل متحذلق: لم لا يلجأ الإنسان إلى الله تعالى مباشرة في ذلك اليوم الذي هو فيه أحوج ما يكون إلى الإخلاص ؟
والجواب كما بينه الناظم بقوله : (…… إذا الكريم تجلى باسم منتقم) .
ففي ذلك المقام لا يجرؤ أحدٌ من الناس بمن فيهم الأنبياء على طلب أي شيء فيهِ تخفيف أو رحمة من الله تعالى لشدة غضبهِ الذي يصفهُ الأنبياء جميعاً بقولهم:[ إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثلهُ، ولن يغضب بعدهُ مثلهُ ] كما هو في حديث الشفاعة.
إذاً لابد من شافع ، وهذا الشافع هو الحبيب الأعظم والسيد المكرم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وتأمل حديث الشفاعة تجد هذا بيناً واضحاً لا ريب فيه ولا شك ولا لبس.


واما قول البوصيري رحمهُ الله :ـ


فإن من جودك الدنيا وضرتها ***** ومن علومك علم اللوح والقلم


شرح البيت
قال الشيخ خالد الأزهري: [ وإِنّ خيري الدنيا والآخرة من جودك، وعلمي اللوح والقلم من علمك، وأنت الحقيق بذلك، والمعول في الشفاعة عليك ] .
وقال الشيخ إبراهيم الباجوري أحد شراح البردة وهو ممن ولي مشيخة الأزهر في القرن الثالث عشر من الهجرة:- [ والمراد من الدنيا ما قابل الأخرى، ولذلك جعلها الناظم ضرتها، وفي كلامهِ تقدير مُضاف إي خيري الدنيا هدايتهُ صلى الله عليه وآله وسلم للناس، ومن خير الآخرة شفاعتهُ صلى الله عليه وآله وسلم فيهم ] . فأي إشكال في هذا الفهم يا عباد الله؟
بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رفض الدنيا بما فيها زاهداً فيها فضلاً عن تملُكها ثم الجود بها، والأحاديث في هذا متوافرة.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: [ أوتيت مفاتيحكُل شيءإلا الخمس إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ] فرفض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الدنيا واختار أن يكون عبداً يأكل يوماً ويجوع يوماً…
ثم إقدامهُ عليه الصلاة والسلام على الشفاعة يوم القيامة عندما يحجمَ الأنبياء كلهم لا تهمهم إلا أنفسهم، فيتصدى أبو القاسم صلى الله عليه وآله وسلم - بأبي هو وأمي – للشفاعة حتى يرضى الله سبحانه بعد غضبه وتزول الأهوال والشدائد عن الناس، فأي جود يريده الناس بعد ذلك؟! بل إن رتبة الجود لتنزل عن هذه الرتبة العظيمة.
ثم إن الدنيا والآخرة وجدتا من أجل رسالة الإسلام التي عليها من كلفهم المولى بقولهِ ( وما خلقتُ الجن والأنس إلا ليعبدون ) ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يمثل هذا الإسلام، بل هو الإسلام الفعلي الواقع والدليل عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر: [ اللهم إن تُهلك هذه العصابة اليوم فلن تعبد في الأرض ].
وقد قال الله تعالى: ] والأرض وضعها للأنام[ والأنام هم الخلق وأفضلهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فمن باب أولى أنها له صلى الله عليه وآله وسلم وقال تعالى:] هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ً[
ثم إن الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة، كما جاء في الحديث الشريف , فلا يرضى الله عز وجل أن تكون الدنيا كل ما أعطي لحبيبه صلى الله عليه وآله وسلم .
ولابد من الإشارة في شرح بيت البوصيري أيضاً: فإن من جودك الدنيا وضرتها… إلى أن العرب استعملوا المجاز، وهو أسلوب من أساليب العربية المتفق عليه، ومن نفاهُ فقد نفى عن العربية بعضاً من الفصاحة.
وفي كلام الشاعر البوصيري رحمه الله تعالى في هذا البيت نجد استعمالهُ للقرينة السببية في علاقة المجاز المرسل، فكأنه أراد: إن من جودك هداية الناس في الدنيا، وهذه الهداية موصولة لرب العالمين وهي سبب الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، ومن جودك أيضاً الشفاعة في الآخرة، وهي علاقة مجاز على القرينة السببية وفي القرآن الكريم : ] وينزل لكم من السماء رزقاً[غافر13 . أي ما ينزل هو الماء الذي هو سبب الرزق المتنوع الأشكال .
( هل يعلم رسول الله علم اللوح والقلم )

وأما قوله : ومن علومك علم اللوح والقلم" والذي استعظمهُ واستنكرهُ وشنع عليه بعض الناس، فإنني لا أريد من القارئ المنصف إلا التمعن في هذه الأحاديث:
1) جاء في الصحيحين واللفظ لمسلم عن أنس رضي الله عنه أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى أحفوه بالمسألة فخرج ذات يوم فصعد المنبر فقال: [ سلوني، لا تسألوني عن شيءإلا بينته لكم، فلما سمع القوم أرموا ورهبوا أن يكون بين يدي أمر قد حضر، قال أنس: فجعلت ألتفت يميناً وشمالاً فإذا كل رجل لافٌّ رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل من المسجد، كان يلاحى فيُدعى لغير أبيه، فقال: يا نبي الله من أبي؟ قال: أبوك حذافة، ثم أنشأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، عائذاً بالله من سوء الفتن ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم:" لم أر كاليوم قط في الخير والشر، إني صورت لي الجنة والنار فرأيتهما دون هذا الحائط". ]

2) وروى أبو داود عن حذيفة رضي الله عنه قال:[ والله ما أدري أنسيَ أصحابي أم تناسوا، والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قائد فتنة إلى أنتنقضي الدنيايبلغ من معه ثلاثمائة فصاعداً إلا قد سماه لنا بإسمهِ واسم أبيهِ واسم قبيلته]
وفي حديث اختصام الملأ الأعلى الذي خرجهُ الإمام أحمد في مسندهِ والدارمي والترمذي والطبراني – ومما جاء فيه … فعلمت ما في السموات والأرض وتلا : ]وكذلك نُري إبراهيمَ ملكوتَ السموات والأرض وليكون من الموقنين[ وفي رواية : فتجلى لي كل شيء وعرفت ، وفي رواية الطبراني: فعلمني كل شيء … إِلخ.
وهنا مُستمسك قوي على هؤلاء المعترضين الذين يحتجون بقول النبي صلى الله عليه وسلم [ كُل محدثةٍ بدعة وكُل بدعة ضلالة ] حيثُ قالوا إن كُل الواردة في الحديث تُفيد العموم ولا تفيد الخصوص وأن كُل بدعةٍ وبدون اي استثناء فهي ضلالة , و ذلك من اجل ان يفروا من قضية تقسيم البدعة والتي قال بها علماء الأمة وقرروا تقسيمها . وإنني اقول لهم حسناً ,إن كانت ( كُل ) من صيغ العموم لا من صيغ الخصوص كما زعمتم فإنكم كفيتمونا مؤنة الرد عليكم واقمتُم الحُجة على انفسكم من حيث لا تعلمون بأن النبي صلى الله عليهِ وسلم يعلم كُل شىء وأنهُ تجلى لهُ كُل شىء دون تخصيص كما في رواية الطبراني الآنفة الذكر ، واليس القائل ( كُل مٌُحدثةٍ بدعة .... ) هو نفسهُ القائل ( فعلمني كُل شيء .... ) ؟ . وجنت على نفسها براقش .
ومن الواضح أن الله سبحانه وتعالى أفاض على نبيهِ صلى الله عليه وآله وسلم من العلوم والمعارف مالا يعلمهُ إلا الله تعالى القائل له : ] وأنزل الله عليك الكتب والحكمة ، وعلمك مالم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً[ النساء113. وما في الآية يدل على العموم والشمول، أي لتعم جميع العلوم التي علمها الله تعالى لرُسلهِ وأنبيائهِ صلوات الله وسلامهُ عليهم، ولتشمل غيرها من العلوم التي أفاضها الله سبحانه وتعالى عليه صلى الله عليه وآله وسلم .
فلقد روى البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقاماً فأخبرنا عنبدء الخلقحتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهمحفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه.
فما هو وجه الإشكال إن قال قائل: إن الله علّمه علم اللوح والقلم. ألست ترى النص النبوي الشريف يقول لك؟: فعلمنيكل شيء، أو فتجلى ليكل شيءوعرفت. الخ . وأليس اللوح والقلم شيئين من هذه الأشياء ؟ يا سبحان الله كم من عقول تبادر إلى إنكار مالا تعرف فتقع في محاذير؟!
كان من الأولى لها أن تصون نفوسها عنها، ثم أليس معرفة الجنة والنار والإخبار عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة الجنة … الخ مما يزيد عما في اللوح والقلم ، الذي لم يكتب إلا ما سيكون إلى يوم القيامة ، أما ما بعد يوم القيامة فإن العلم بهِ علم بما ليس في اللوح والقلم… .



وما أجمل ما قالهُ محمد بن علاّن في شرح البردة حيثُ قال :-
والخمسُ التي استأثر الله تعالى بعلمها ليست بمكتوبة في اللوح المحفوظ إذ لو كان ما كُتب فيهِ لاطلع عليها بعضُ الملائكة الذين هُم من شأنهم الاطلاع عليها على ما فيه . وقد جاء في وصفهن ( لا يعلمهن إلا الله ) فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: [ أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ] وحينئذٍ فلا يُشكل على قول الناظم ومن علومك علم اللوح . اهـ كلامهُ رحمهُ الله
وهذا يسطدم مع قول ابن عُثيمين (..... ولا أدري ماذا يبقى لله تعالى من العلم إذا خاطبنا الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الخطاب ) .
واقول هل الملائكة هم أعلى منزلةً وقدراً من خير خلق الله صلى الله عليهِ وسلم ؟
فإذا شيخ الأسلام ابن تيمية رحمهُ الله قد اكرمهُ المولى بمثل هذا المقام من النظر الى اللوح المحفوظ كما يرويهُ عنهُ تلميذهُ ابن القيم كما في مدارج السالكين ج2 ص 489 حيثُ قال : [ لقد شاهدتُ من فراسة شيخ السلام ابن تيمية رحمهُ الله امور عجيبة ومالم اشاهدهُ منها اعظم واعظم ووقائع فراستهُ تستدعي سفراً ضخماً أخبر اصحابهُ بدخول التتار الشام سنة تسع وتسعين وستمائة وأن جيوش المسلمين تُكسر وأن دمشق لايكون بها قتل عام ولا سبي عام وأن كلب الجيش وجدتهُ في الأموال وهذا قبل ان يهم التتار بالحركة ثم اخبر الناس والأمراء سنة اثنتين وسبعمائة لما تحرك التتار وقصدوا الشام أن الدائرة والهزيمة عليهم وأن الظفر والنصر للمسلمين وأقسم على ذلك اكثر من سبعين يميناً فيقال لهُ قل إن شاء الله فيقول إن شاء الله تحقيقاً لاتعليقاً وسمعتهُ يقول ذلك فلما اكثروا علي قُلت لاتُكثروا كتب الله في اللوح المحفوظ انهم سيهزمون في هذهِ الكرة وان النصر لجيوش الإسلام قال واُطعمتُ بعض الأسراء والعسكر حلاوة النصر قبل خروجهم الى لقاء العدو وكانت فراستهُ الجزئية في خلال هاتين الواقعتين مثل المطر ]. اهـ
وهب أنهُ كتب في اللوح ما سيأتي بعد يوم القيامة ، ألا يدخل علم ما يكتب في قولهِ صلى الله عليهِ وسلم:
[ فتجلى لي كل شيء ، وعلمت ما في السموات والأرض…الخ. ]
فغدا من الجلي الواضح أن ما أعطاهُ الله لرسولهِ صلى الله عليه وآلهِ وسلم من العلوم يفوق ما كُتب في اللوح مما خطهُ القلم.
أما استشكالهم الكبير حول قول البوصيري رحمهُ الله :


اقسمتُ بالقمر المُنشقِ إن لهُ : من قلبهِ نسبةًٌ مبرورة القسمِ
فهذا إن دل فإنما يدل على حقيقة جهلهم باللغة العربية فيكفيهم لإيضاح هذا الاشكال جبلٌ من جبال المعرفة باللغة العربية وهو محمد علي بن علاّن الصدّقيّ المكيّ حيثُ قال في ( كتابهِ الذُخر والعدة في شرح البردة ) ص 207 حيثُ قال ( فإنهُ على تقدير مُضاف , أي بربَّ القمر ) .
وقرينة ذلك قولهُ تعالى ] وسئل القرية التي كُنا فيها والعير التي اقبلنا فيها وإنا لصدقون[ فهو ايضاً على تقدير مُضاف أي اسأل أهل القرية وأصحاب العير فإن القرية لاتتكلم وكذلك العير .
واقول إن من لديهِ فهمٌ في علمٌ في اللغة العربية غير هذا فليأتنا بهِ . نا هيك عن بن علاّن الذي شرح كتاب الأذكار للإمام النووي في سبع مُجلدات وكتاب رياض الصالحين في اربع مجلدات .
فإن قال قائل ان هذا قياس مع الفارق , فقول الله تعالى هو( إخبار ) وقول البُصيري هو( قسم ) . فأقول لاإشكال في ذلك لأن المقصود في كلا الحالتين لا ظاهرهما لأنهما جميعاً على تقدير مُضاف ’ فليس المراد في الأولى القرية والعير وفي الثانية القمر.
ثم ان القسم ينقسمُ الى ثلاثة اقسام وقبل التطرق لهذهِ الاقسام أود أن اذكر حروف القسم وهي
الواو كقولك ( والله ) والبا كقولك ( بالله ) والتاء كقولك ( تالله )
أما الأنواع الثلاثة للقسم فهي :-
1- قَسَمٌ مُحرم [ وهو القسم الذي يُرادُ بهِ تعظيم المخلوق كتعظيم الخالق كما كان في الجاهلية ] .
2- قَسَمٌ مُباح [ وهو القسم الذي يُرادُ بهِ التأكيد كقول النبي صلى الله عليهِ وسلم للأعرابي ( أفلح وأبيهِ إن صدق ) ]
3- قَسَمٌ جائز [ وهو الذي يُرادُ بهِ تعظيمٌ يليقُ بالبشر كالقسم بالنبي صلى الله عليهِ وسلم ] .
فممن جوزّ الإقسام على الله بخلقهِ هو سلطان العلماء العز بن عبد السلام , فقد جاء في الفتاوي الموصلية ما نصهُ : [ أمَّا مسألة الدعاء فقد جاء في بعض الأحاديث أنَّ رسول الله صلى الله عليهِ وسلم عَلّمَ بعض الناس الدعاء فقال في أولهِِ : ( قل اللهم إني أقسمُ عليكَ بنبيك محمد نبي الرحمة ) .
وهكذا نقلهُ أصحاب الخصائص كالحافظ السيوطي و القسطلاني و غيرهما مستدلين بهِ على أن الإقسام على الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم وانهُ من خُصوصياته .
وهذا هوالذي قررهُ ايضاً إمام اهل السنة والجماعة الإمام احمد بن حنبل رحمهُ الله . ومن استشكل عليهِ هذا الأمر فليستشكل على سلطان العلماء العز بن عبد السلام و السيوطي و القسطلاني و الإمام أحمد الذي جوز القسم بالنبي صلى الله عليه وسلم كما في ( منسكهِ الذي كتبهُ للمروزي ) , وممن قرر بأن هذا هو القول هو المعتمد عند الإمام احمد الإمام ابن قدامة المقدسي كما في ( المغني ) في باب الأيمان فقد اسهب في هذا القول اسهاباً كبير فليراجعهُ من شاء وكذلك ممن روى هذا الأثر عن الإمام احمد الفروع أبن مفلح في الفروع والانصاف للمروذي و كشف القناع لشيخ منصور البهوتي .

وكتاب المُغنى كم هو معلوم هو من الكُتب المعتمدة عند الحنابلة والذي قال فيهِ ابن باز رحمهُ الله تعالى : ( من أخذ بالمغني فقد استغنى ) .
واما الإشكال حول قول البوصيري رحمهُ الله :

[ وكيف تدّعو إلى الدنيا ضرورةُ مَنْ ***** لولاهُ لم تُخرجِ الدنيا مِنً العدمِ ]
فقد روى عبدالله ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليهِ وسلم ( لما اقترف آدم الخطيئة قال : يارب أسألك بحق محمد إلا غفرت لي فقال الله يا آدم كيف عرفت محمداً ولم اخلقهُ ؟ قال : يارب إنك لما خلقتني رفعتُ رأسي فرأيتُ على قوائم العرش مكتوباً لا اله إلا الله محمدٌ رسول الله , فعلمتُ انك لم تُضف إلى اسمك إلا احب الخلق اليك , فقال الله تعالى صدقت يا آدم إنهُ لأحب الخلق إليّ , وإذا سألتني بحقهِ غفرتُ لك ولولا محمد ما خلقتك ).
وهذا الحديث اخرجهُ البيهقي في دلائل النبوة (5/489 ) , والحاكم في المستدرك ( 2/615 ) وصححهُ , والطبراني في الأوسط ( 6498 ) , وذكرهُ الهيثمي في مجمع الزوائد ( 13917 ) . وقد حقق الإمام تقي الدين السبكي في كتابهِ ( شفاء الأسقام ) أن هذا الحديث لاينزلُ عن درجة الحَسن .
وقد قال الله تعالى: ] والأرض وضعها للأنام [ ( والأنام هم الخلق وأفضلهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فمن باب أولى أنها له صلى الله عليه وآله وسلم وقال تعالى: ] هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً [.
ثم إن الدنيا والآخرة وجدتا من أجل رسالة الإسلام، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يمثل هذا الإسلام، بل هو الإسلام الفعلي الواقع والدليل عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر: اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم فلن تعبد في الأرض .
ثم إن الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة، كما جاء في الحديث الشريف، فلا يرضى الله عز وجل أن تكون الدنيا كل ما أعطي لحبيبه صلى الله عليه وآله وسلم.
وانظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج11ص97


ولمحمد علي بن عَلاّن الصدّقيّ المالكي رحمهُ الله تحقيقٌ لغويٌ بليغ لهذا البيت الذي يقول فيهِ البوصيري :


[ وكيف تدّعو إلى الدنيا ضرورةُ مَنْ ***** لولاهُ لم تُخرجِ الدنيا مِنً العدمِ ]

حيثُ قال في كتابهِ الذخر والعدة في شرح البردة ( ص 145 ) ما نصهُ :- [ وكيف يتصور أن تدعوا إلى اتّباع الدنيا وزينتها , ضرورة من لولاهُ لم تُخرج الدنيا من العدمِ إلى الوجود بعد أن لم تكن . هذا مراده , لكن في لفظهِ تجوّز . فإن قولهُ تخرج يُهم أنها ( اي الدنيا ) كانت في العدم شيء . وحقيقتهُ إنّما انتفى عنها الخروج من العدم إلى الوجود . ومذهب أهل الحق أنهُ لا وجود للمعدوم حال العدم , وأنهُ ليس بشيٍ , وإذا ثبت أن وجودهُ – صلى الله عليهِ وسلم – علّة وجود الدنيا , فَالدنيا بأجمعها مُفتقرةٌ اليه , لافتقار وجودِ المعلول إلى وجود علته . فلو كانت ضرورتُهُ تدعو إلى الدنّيا لكان وجودهُ – صلى الله عليهِ وسلم - معلولاً لوجودها وافتقر - صلى الله عليهِ وسلم - في وجودها إلى وجودها , ولأن العلة لا تفتقر في وجودها إلى وجود المعلول ]. اهـ
ويؤيد هذا المعنى الراقي في فهم قواعد اللغة العربية , قول البوصيري رحمهُ الله في البيت الذي قبلهُ حيثُ قال :-


[ واكّدت زهدهُ فيها ضرورتهُ ***** إن الضرورة لا تعدو على العصمِ ]

فلقد أخرج أبو يعلى بإسناد حسَّنه الهيثمي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : [ يا عائشة لو شئت لسارت معي جبال الذهب ]
بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رفض الدنيا بما فيها زاهداً فيها فضلاً عن تملكها ثم الجود بها، والأحاديث في هذا متوافرة.
وإلى هُنا اكتفي بهذا الرد المُختصر المُجز لإيضاح بعض الإشكالات عند بعض الجهلة المتطاولين على علماء الأمة وسلفها
الصالح .
وصلى الله على سيدنا وإمامنا وملاذنا محمدٍ وعلى آلهِ وصحبهِ وسلم .
كتبها / عبدالله ابن الشيخ ابي بكر بن سالم



Selengkapnya..

المفهوم الصحيح للبدعة

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مُحدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)
وفي تحديد المراد من قوله صلى الله عليه وسلم هذا عصمة عن التمادي في إطلاق الألسن بالتبديع والتضليل بفعل كثير من المسائل الفقهية المختلف فيها بين أرباب المذاهب الفقهية من المجتهدين الذين ما كانوا يثبتون حكمًا بالرأي المحض، وإنما يستندون إلى مآخذ شرعية ضبطوها وبذلوا جهدهم فيها مع عدالتهم وسعة اطلاعهم واستقامة أفهامهم وتحرّيهم الصواب بتكرير النظر مرة بعد أخرى، وسار مَنْ بعدهم على منوالهم فنظروا وانتقدوا واستنبطوا ورجّحوا، وربما توهم قوم في خلافهم مع سواهم أن اختلافهم معهم على عقيدة فشّركوا وضلّلوا وبدّعوا... بينما لم يتفطّنوا إلى أن الاختلاف إنما كان على مفاهيم متخالفة في العبادات والمعاملات فلا يوجب ذلك الاختلاف تكفيرًا أو تبديعًا.
جاء في الحديث عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما أتخوف عليكم رجلاً قرأ القرآن حتى إذا رؤي عليه بهجة وكان رِدْءَ الإسلام اعتزل إلى ما شاء الله وخرج على جاره بسيفه ورماه بالشرك) رواه البزار وإسناده صحيح. وقوله: (وكان رِدْءَ الإسلام) يعني عونًا ونصرًا.
وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أخوف ما أخاف عليكم ثلاثًا، رجل آتاه الله القرآن حتى إذا رأى بهجته وتردى الإسلام أعاره الله ما شاء اخترط سفه وضرب جاره ورماه بالكفر، قالوا: يا رسول الله، أيهما أولى بالكفر، الرامي أو المرمي به؟ قال: الرامي... الحديث) الحديث رواه ابن حبان عن حذيفه.وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وذكر الحديث وفيه: (ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدو الله، وليس بذلك إلا حار عليه) أي رجع عليه.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرئ قال لأخيه يالكافر فقد باء بهما أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه).وأخرج أبو القاسم الأصفهاني في "الترغيب والترهيب" عن ابن عمر قال: وضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثماني عشرة كلمة قال: ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وَضَعْ أمر أخيك على أحسنهِ حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظن بكلمة خرجت من مُسلم شرًا وأنت تجد لها في الخير محملاً.
ولا شك أن الغلو في الدين وعدم الفقه والتفقه في مقاصد الشريعة مع الإعجاب بالنفس، وعدم الاعتداد بآراء العلماء وأفهامهم، واستحلال دماء المسلمين المعصومة، وعدم المحاولة في فرض المخارج الحسنه لهم، وعدم تحمل الخلاف في الرأي هو السبب في التبديع والتضليل والمسارعة فيها.

ما هو فهم علماء السلف لحديث
(كل مُحدثة بدعة).
الخطابي:
قال الإمام أبو سليمان أحمد بن محمد الخطابي البستي المتوفى سنة 388 في شرح هذا الحديث: وقوله: (كُل مُحدثة بدعة) فإن هذا خاص في بعض الأمور دون بعض، وهي كل شيء أحدث على غير أصل من أصول الدين، وعلى غير عياره وقياسه، وما كان منها مبنيًا على قواعد الأصول ومردودًا إليها فليس ببدعة ولا ضلاله، والله أعلم، وفي قوله: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) دليل على أن الواحد من الخلفاء الراشدين إذا قال قولاً وخافه فيه غيره من الصحابة كان المصير إلى قول الخليفة أولى.
ابن عبد البر:
قال الإمام الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري الأندلسي: وأما قول عمر: نِعمت البدعة، فالبدعة في لسان العرب اختراع ما لم يكن وابتداؤه، فما كان من ذلك في الدين خلافًا للسنة التي مضت عليها العمل فتلك بدعة لا خير فيها، وواجب ذمها والنهي عنها، والأمر باجتنابها وهجران مبتدعها إذا تبين له سوء مذهبه، وما كان من بدعة لا تخالف أصل الشريعة والسنة فتلك نعمت البدعة، كما قال عمر: لأن أصل ما فعله سنة.
وكذلك قال عبد الله بن عمر في صلاة الضحى، وكان لا يعرفها، وكان يقول: وللضحى صلاة؟
وذكر ابن أبي شيبة عن أبي عليه الجريرى عن الحكم عن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى فقال: بدعة، ونعمت البدعة.
وقد قال تعالى حاكيًا عن أهل الكتاب: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} .
وأما ابتداع الأشياء من أعمال الدنيا فهذا لا حرج فيه ولا عيب على فاعله.
كلام نفيس لابن رجب الحنبلي:
قال العلامة الحجة الفقيه المحدث الإمام زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد المعروف بابن رجب الحنبلي في شرح حديث: (كل بدعة ضلالة) قوله: (وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة) تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة، وأكد ذلك بقوله: (كل بدعة ضلالة) والمراد بالبدعة ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا وإن كان بدعة لغة، وفي "صحيح مسلم" عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: (إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة).
وأخرج الترمذي وابن ماجة من حديث كثير بن عبد الله المزني -وفيه ضعف- عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ابتدع ضلالة لا يرضاها الله ولا رسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا).
وأخرج الإمام أحمد من رواية غضيف بن الحارث الشمالي قال: بعث إليّ عبد الملك بن مروان فقال: إنا قد جمعنا الناس على أمرين: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد صلاة الصبح والعصر، فقال: أما إنهما أمثل بدعتكم عندي ولست بمجيبكم إلى شيء منها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة فتمسكٌ بسنة خير من إحداث بدعة).
وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما من قوله نحو هذا، فقوله صلى الله عليه وسلم: (كل بدعة ضلالة) من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الإعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة، ثم قال: وقد روي الحافظ أبو نعيم بإسناده عن إبراهيم بن الجنيد قال: حدثنا حرملة بن يحيى قال: سمعت الشافعي يقول: البدعة بدعتان، بدعة محمودة وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، واحتج بقول عمر رضي الله عنه: نعمت البدعة هي، ومراد الشافعي رضي الله عنه ما ذكرناه من قبل، وهو أن البدعة المذمومة ما ليس لها أصل في الشريعة ترجع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع، وأما البدعة المحمودة فما واقف السنُّة يعني ما كان لها أصل من السنة يرجع إليه، وإنما هي بدعة لغة لا شرعًا لموافقتها السنة، وقد روي عن الشافعي كلام. آخر يفسر هذا وهو أنه قال:
والمحدثات ضربان:
ما أحدث مما يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا فهذه هي بدعة الضلال.
وما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة.
كثير من الأمور التي أحدثت ولم يكن قد اختلف العلماء في أنها هل هي بدعة حسنة حتى ترجع إلى السنة أم لا، فمنها كتابة الحديث، نهى عنه عُمر وطائفة من الصحابة، ورخص فيها الأكثرون، واستدلوا له بأحاديث من السنة، ومنها كتابه تفسير الحديث والقرآن كرِهه قوم من العلماء ورخص فيه كثير منهم، وكذلك اختلافهم في كتابة الرأي في الحلال والحرام ونحوه، وفي توسعة الكلام في المعاملات وأعمال القلوب التي لم تنقل عن الصحابة والتابعين، وكان الإمام أحمد يكره أكثر ذلك.
وفي هذه الأزمان التي بَعُدَ العهد فيها بعلوم السلف يتعين ضبط ما نقل عنهم من ذلك كله ليتميز به ما كان من العلم موجودًا في زمانهم وما أحدث من ذلك بعدهم، فيعلم بذلك السنة من البدعة.
وقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة، وإنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول.
وابن مسعود قال هذا في زمن الخلفاء الراشدين، وروي ابن مهدي عن مالك قال: لم يكن شيء من هذه الأهواء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، وكأن مالكًا يشير بالأهواء إلى ما حدث من التفرق في أصول الديانات من أمر الخوارج والروافض والمرجئة ونحوهم ممن تكلم في تكفير المسلمين واستباحة دمائهم وأموالهم، أو في تخليدهم في النار، أو في تفسيق خواص هذه الأمة، أو عكس ذلك، فزعم أن المعاصي لا تضر أهلها، وأنه لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد، وأصعب من ذلك ما أحدث من الكلام في أفعال الله تعالى في قضائه وقدره، فكذب بذلك من كذب وزعم أنه نـزه الله بذلك عن الظلم، وأصعب من ذلك ما حدث من الكلام في ذات الله وصفاته مما سكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعون لهم بإحسان، فقوم نفوا كثيرًا مما ورد في الكتاب والسنة من ذلك، وزعموا أنهم فعلوا تنـزيهًا لله عما تقتضيه العقول بتنـزيهه عنه، وزعموا أن لازم ذلك مستحيل على الله عز وجل، وقوم لم يكتفوا بإثباته حتى أثبتوا بإثباته ما يظن أنه لازم له بالنسبة إلى المخلوقين، وهذه اللوازم نفيًا وإثباتًا درج صدر الأمة على السكوت عنها، ومما أحدث في الأمة بعد عصر الصحابة والتابعين الكلام في الحلال والحرام بمجرد الرأي، ورد كثير مما وردت به السنة في ذلك لمخالفته الرأي والأقيسة العقلية، ومما حدث بعد ذلك الكلام في الحقيقة بالذوق والكشف وزعم أن الحقيقة تنافي الشريعة، وأن المعرفة وحدها تكفي مع المحبة، وأنه لا حاجة إلى الأعمال وأنها حجاب أو أن الشريعة إنما يحتاج إليها العوام، وربما انضم إلى ذلك الكلام في الذات والصفات بما يعلم قطعًا مخالفته للكتاب والسنة وإجمال سلف ألأمة: {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .


النووي:
قال ألإمام شيخ الإسلام محيي الدين أبو زكريا يحيى النووي قوله: (وكل بِدعة ضلالة) هذا عام مخصوص والمراد غالب البدع، قال أهل اللغة: هي كل شيء عمل على غير مثال سابق.
قال العلماء: البدعة خمسة أقسام: واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة.
فمن الواجبة نظم أدلة المتكلمين للرد على المَلاحِدة والمبتدعين وشبه ذلك، ومن المندوبة تصنيف كتب العلم وبناء المدارس والربط وغير ذلك، ومن المباح التبسيط في ألوان الأطعمة وغير ذلك، والحرام والمكروه ظاهران.
وقد أوضحت المسألة بأدلتها المبسوطة في "تهذيب الأسماء واللغات" فإذا عرف ما ذكرته علم أن الحديث من العام المخصوص وكذا ما أشبه من الأحاديث الواردة، ويؤيد ما قلناه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في التراويح: نعمت البدعة، ولا يمنع من كون الحديث عامًا مخصوصًا قوله: (كُل بدعة) مؤكدًا بكلّ بل يدخله التخصيص مع ذلك كقوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: 25].

ابن حجر:
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة، وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة، وإلا فهي من قسم المباح، وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة[3].
الصنعاني:
قال الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني في "سبل السلام" في شرح قوله: (كل بدعة ضلالة): البدعة لغة: ما عمل على غير مثال سابق، والمراد بها هنا ما عمل من دون أن يسبق له شرعية من كتاب ولا سنة. وقد قسم العلماء البدعة على خمسة أقسام: واجبة كحفظ العلوم بالتدوين والرد على الملاحدة بإقامة الأدلة، ومندوبة كبناء المدارس، ومباحة كالتوسعة في ألوان الأطعمة وفاخر الثياب، ومحرمة ومكروهة وهما ظاهران.
فقوله: (كل بدعة ضلالة) عام مخصوص.
اللكنوي:
وقد لخص الإمام أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي كلام أئمة السلف وموقفهم من هذا الحديث في قولين، فقال: اختلف العلماء في هذا الباب على قولين:
الأول: أن حديث (كل بدعة ضلالة) عام مخصوص البعض، والمراد به البدعة السيئة، وقسموا البدعة إلى واجبة ومندوبة ومكروهة ومحرمة ومباحة، وهو الذي رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" عن الإمام الشافعي، أنه قال: المحدثات في الأمور ضربان:
أحدهما: ما أحدث مما خالف كتابًا أو سنة، أو أثرًا أو إجماعًا، فهذه البدعة في الضلالة.
وثانيهما: ما أحدث من الخير، وهذه غير مذمومة، وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام شهر رمضان: نعمت البدعة هذه، ويعني أنها محدثة لم تكن.
وبه صرح الشيخ عز الدين بن عبد السلام في كتاب"القواعد" والنووي في "تهذيب الأسماء واللغات" وعلي القاري في "شرح المشكاة" وابن ملك في "مبارق الأزهار شرح مشارق الأنوار" والسيوطي في رسالته "حسن المقصد في عمل المولد" ورسالته" المصابيح في صلاة التراويح" والقسطلاني في "إرشاد الساري شرح صحيح البخاري" والزرقاني في "شرح الموطأ" والحافظ أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث" والحلبي في "إنسان العيون في سيرة النبي المأمون" وغيرهم، فعلى هذا القول البدعة التي هي ضد السنة هي البدعة المكروهة والمحرمة، وأما ما سواهما من البدعات فلا تكون سيئة.
والقول الثاني: وهو الأصح بالنظر الدقيق أن حديث (كل بدعة ضلالة) باق على عمومه، وأما المراد به البدعة الشرعية، وهي ما لم يوجد في القرون المشهود لهم بالخير ولم يوجد له أصل من الأصول الشرعية، ومن المعلوم أن كل ما كان على هذه الصفة فهو ضلالة قطعًا، وإلى هذا القول مال السيد السند في "شرح المشكاة" والحافظ ابن حجر في "هدي الساري مقدمة فتح الباري" وفي "فتح الباري" وابن حجر الهيتمي الملكي في "الفتح المبين بشرح الأربعين" وغيرهم.
هذا وقد نقل العلماء والمحدثون والحفاظ في كتبهم هذا الفهم للحديث الشريف، واعتبروه حجة مرضية وطريقة شرعية معتمدة يرضاها كل ذي عقل سليم وفهم قويم.

الباجي:
قال الإمام القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي في شرح حديث التراويح عن قول سيدنا عمر: نعمت البدعة : وهذا القول تصريح من عمر رضي الله عنه بأنه أول من جمع الناس على قيام رمضان على إمام واحد بقصد الصلاة بهم، ورتب ذلك في المساجد ترتيبًا مستقرًا، لأن البدعة هو ما ابتدأ فعله المبتدع دون أن يتقدمه إليه غيره، فابتدعه عمر وتابعه عليه الصحابة والناس إلى هلمّ جرّا.
وهذا أبين في صحة القول بالرأي والاجتهاد، وإنما وصفها بنعمت البدعة لما فيها من وجوه المصالح التي ذكرناها.
الزرقاني:
قال العلامة الفقيه الشيخ محمد بن عبد الباقي الزرقاني في "شرح الموطأ" عند قول سيدنا عمر: (نعمت البدعة هذه): وصفها بنعمت لأن أصل اللغة سنة وإنما البدعة الممنوعة خلاف السنة، وقال ابن عمر في صلاة الضحى: نعمت البدعة، وقال تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} [الحديد: 27].
وأما ابتداع الأشياء من عمل الدنيا فمباح، قاله ابن عبد البر، وقال الباجي: (نعمت) بالتاء على مذهب البصريين، لأن نِعْمَ فعلٌ لا يتصل به إلا التاء، وفي نسخ (نعمه) بالهاء وذلك على أصول الكوفيين، وهذا تصريح منه بأنه أول من جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد، لأن البدعة ما ابتدأ بفعلها المبتدع ولم يتقدمه غيره، فابتدعه عمر وتابعه الصحابة والناس إلى هلمّ جرّا، وهذا يبين صحة القول بالرأي والاجتهاد انتهى، فسماها بدعة لأنه صلى الله عليه وسلم لم يسن الاجتماع لها ولا كانت في زمان الصديق، وهي لغة: ما أحدث على غير مثال سبق، وتطلق شرعًا على مقابل السنة، وهي ما لم تكن في عهده صلى الله عليه وسلم، ثم تنقسم إلى الأحكام الخمسة.
وحديث: (كل بدعة ضلالة) عام مخصوص، وقد رغب فيها عمر نعمت البدعة، وهي كلمة تجمع المحاسن كلها كما أن بئس تجمع المساوئ كلها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا بالذين من بعدي، أبي بكر وعمر) وإذا أجمع الصحابة على ذلك مع عمر زال اسم البدعة.

المصدر الأول لتقسيم البدعة

المشرع الأعظم هو المرجح:

اعلم أن المشرع الأعظم وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو المصدر الأول في تقسيم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة، أو قُلْ: بدعة مقبولة وبدعة مردودة، أو قُلْ: بدعة شرعية وبدعة لغوية، أو قُل: بدعة دينية وبدعة دنيوية، وذلك من قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من سن سنة حسنة له أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) ففي هذا الحديث تقسيم للأمر المبتدأ من غير مثال إلى مردود ومقبول.
وهو يشرع ابتداء الخير في أيّ عصر وقع دون قصر على أهل قرن بعينه فقصره على محدث الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين هو تقييد للحديث بدون دليل.
وقد قبل الناس ما جدّ بعد عهد الخلفاء الراشدين وعصر الصحابة من تشكيل آيات القرآن ونقط حروفه، وتنظيم الأجزاء والأرباع والسجدات، ووضع العلامات على كل عشر آيات، وعدّ سورة القرآن، وترقيم آياته، وبيان المكي والمدني في رأس كل سورة، ووضع العلامات التي تبين الوقف الجائز والممنوع، وبعض أحكام التجويد كالإدغام والتنوين ونحوها من سائر الاصطلاحات التي وضعت في المصاحف، وكذلك قبل الناس تدوين علوم اللغة وأصول الفقه وأصول الدين، وسائر العلوم الخادمة للشريعة.
فكل هذه الأمور وقعت بعد عهده صلى الله عليه وسلم يجعلها أحد من محدثات وبدع الضلالة، ولم يقل أحد إن حديث (كل بدعة ضلالة) يشملها بل عدوا ذلك من المستحسنات، لأنها لا تصادم نصًا ولا شيئًا من أسس التشريع، وتتحقق بها مصلحة مفيدة وهي المحافظة على تيسير تلاوة القرآن وحفظه وحسن ترتيله ومعرفة بعض الأحكام، وذلك من الضروريات التي ترجع إلى حفظ الدين فأصبحت مندرجة تحت تشريع عام يستحسنها، وكل ما كان من هذا القبيل فإنه غير مذموم، وإطلاق البدعة عليه إطلاق لغوي، فإن عللوا قبول ذلك لاندراجه تحت الأصول الشرعية، فكذلك الجمهور إنما جعلوا القسم المقبول من المحدث هو المندرج تحت أصل تشريعي، وهو المصلحة المناسبة بشرط أن لا تصدم المصلحة نصًا، ولا تصادم سنةً حسَّنَها الشرع، ولا تندرج تحت حكمٍ قبَّحه الشرع.
والأصول الشرعية ليست قاصرة عند جمهور العلماء على النصوص، بل تشمل جميع الطرق والأصول التي استنبطها العلماء من نصوص الشارع وتصرفاته، كما وضحناه من قبل.
ومحال أن يتناقض كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقرر تارة أن كل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة، هكذا بالإطلاق الكلي الواسع، ثم يأتي فيقرر تارة أخرى أنه – يعني هذا المحدث- يدور بين الحسن والقبح أو بين سنة حسنة وسنة سيئة.
والمخرج هو أن يكون لكل من الحديثين محمل، ولما كان للمحدث والبدعة معنى خاص شرعي ومعنى عام لغوي، فالبِدعة بلسان الشرع تطلق على كل محدث يخالف النصوص والأصول الشرعية، ولم يكن مستندًا إلى عمل القرون الثلاثة وجب عقلاً ونقلاً أن يحمل حديث: (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) على هذا الاستعمال الشرعي وكُلِيّتُها في الحديث إنما هو بحسب معناها الخاص الذي استعمله الشرع فيها، وهو كل محدث بعد القرون الثلاثة يصادم النصوص أو الأصول الشرعية.
أما المحدث والبدعة بمعناها اللغوي العام من الابتداع بمعنى الإحداث، ففي كل أمر مبتدأ من غير مثال سابق، وعلى هذا المعنى اللغوي العام يجب أن يحمل حديث: (من سنّ سُنة حَسنه.. ومن سنَّ سنة سيئة) ويشمل هذا المعنى اللغوي بدعة الضلالة السابقة والبدعة المقبولة، وهي الأمر المبتدأ الذي لا يصادم نصًا ولا أصلاً شرعيًا، ويتحقق بها مصلحة مناسبة للتشريع، وهذا القسم ليس من المحدث المذموم ولو وقع بعد العهود الثلاثة الأولى، ولا خارج عن الشرع ولا عن أمره صلى الله عليه وسلم ولا عن طريقته وسنته ومنهج تشريعه، فلا يشملها حديث (كل مُحدثة بدعة، وكُل بِدعة ضلالة) ولا حديث (من أحدث في أمرِنا هذا ما ليس منه فهُو رد)، وإنما يشملها حديث (من سن سنة في الإسلام حسنة)، وهكذا يحمل الحديث (كل بدعة ضلالة) على الاستعمال الشرعي، وهو المحدث الذي يعارض النصوص والأصول الشرعية كما يحمل حديث: (من سن سنة حسنة... الخ) على الاستعمال اللغوي العام الذي يشمل ما يعارض النصوص والأصول فيكون مذمومًا، كما يشمل ما لا يعارضها فيكون مقبولاً.
ووضع الضوابط والجمع بين المخالفات هو مهمة العلماء الذين يدركون ما يقولون، ولقد بين الإمام الشافعي الضابط الذي يميز كل قسم عن الآخر، فجعل الشيء ما خالف النصوص والأصول، والحسن ما لم يعارض شيئًا من ذلك.
وبهذا البيان يظهر لنا أن تقسيم البدعة والمحدث إلى حسن وسيء هو تقسيم لهما بالإطلاق اللغوي لا الشرعي، فيصبح من التكلف عناء الإنكار للتقسيم لتوهم أن المقسم هو البدعة والمحدث بالاصطلاح الشرعي الذي ورد في حديث: (كل بدعة ضلالة).
بينما هم قسموا البدعة بإطلاقها اللغوي، وأبقوا البدعة الشرعية على عمومها من كل ما يسميه الشرع محدثًا وبدعة باصطلاحه وعُرفه، وهو المخالف للنصوص والأصول الشرعية.
فالمتوهمون أن التقسيم كان للبدعة الشرعية هو من باب إدارة معركة في الهواء بتخيل معركة بين فريقين في البدعة الشرعية، رغم أن الاتفاق تام وقائم بلا خلاف على عدم تقسيمها، كما أن الاتفاق تام وقائم على تقسيم البدعة اللغوية إلى ما تقدم ذكره، حتى مَن لم يُقرّه بهذه الكيفية فإنه مضطر إلى القول به مُنساق بالضرورة إلى اعتباره واستعماله شاء أم أبى، لكنه قد يُحتار في تسميته فتراه يتخبط هنا وهنا بحثًا عن الألفاظ التي يتم بها الخروج من المأزق، ويكفي أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو البادئ في التقسيم (من سن سنة حسنه.. ومن سن سنة سيئة) فالتهويش بالكلية الواردة في حديث: (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) هو من باب تضليل الناس بأن الحديث وارد في البدعة مطلقًا لصرف نظرهم عن استعمالها في الحديث بالاستعمال الشرعي الذي يُطلق شرعاً على ما يُصادم أصول التشريع، وتلك هي بدعة الضلالة التي أصبحت حقيقة شرعية فيما يصادم النصوص والأصول، وهي مذمومة كلها بحسب ما استعملت فيه شرعًا، أي أن الكلية سارية على كل محدث مما يسمى بلسان الشرع محدثًا، ومن حَكم على المقبول من البدعة اللغوية بأنها سنَّة حسنة فقد اقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم في التسمية، وإن سماها بدعة حسنة فلم يجانب الإطلاق اللغوي للبِدعة من الابتداع بمعنى الإحداث لأمر على غير مثال سابق، ومن تجنب تسميتها بدعة فعلى رأي من لا يطلق البدعة إلا على البدعة الشرعية، ويسمى المقبول من البدعة بالإطلاق اللغوي سنة أو يسميها إتباعًا وما أشبه ذلك.

تأويل بتعطيل النص الواضح

ولقد حاول البعض التخلص مما تضمنه حديث: (من سنَّ سنة حَسنة.. ومن سنَّ سنة سيئة) الذي يدل بوضوح على تقسيم الأمر المحدث إلى مقبول ومردود أو على حسن وسيء، فراح يفسر الحديث بما لا ينطبق على ألفاظه إذ قال: إن قوله: (سن في الإسلام) يعني: أحيا سنة وأظهرها وأبرزها مما قد يخفى على الناس فيدعو إليها ويظهرها ويبينها، وقال: فعلم بذلك أن المقصود من الحديث إحياء السنة وإظهارها.
فها أنت ترى أن قوله هذا فيه تأويل واضح لا شك فيه لحديث (من سنَّ سُنة....) وقضاء على منطوقه ومفهومه، وهدم لمعانيه وألفاظه التي تدل في صراحة ووضوح على الحث على إنشاء سنن الخير ، وفتح الباب أمام العاملين وتأصيل العادات الحسنة والطرق الجديدة المستحسنة التي تدخل تحت لواء الشريعة الإسلامية، وتندرج تحت قواعده الكلية، ولا تعارض شيئًا من الأصول الثابتة التي لا تحتمل التأويل.

إحياء السنة أصل مستقل
على أنه قد ورد في الحث على إحياء السنة المهجورة أحاديث بهذا المعنى تدل بمنطوقها ومفهومها على هذا الموضوع فمنها:
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا) رواه مسلم.وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من دلَّ على خير فله مثل أَجر فاعِله).
وعن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا تُرضى الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا يَنقص ذلك من أوزار الناس شيئًا) رواه الترمذي وحسنه وابن ماجه.
فهذه الأحاديث تدل على فتح الباب لإنشاء سنن الخير، والفرق ظاهر بين إنشاء السنن وبين إحيائها.
وزعم بعض آخر المراد بالسنة في الحديث ما سنه رسول الله صلى لله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدين، دون المحدثات من سنن الخير التي لم تكن في عهده صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الخلفاء الراشدين، بينما الحديث واضح في تحبيذ ابتداء سنن الخير دون قصر على أهل قرن بعينه، فقصر المحدث على محدث الخلفاء الراشدين تقييد للحديث بدون دليل.
وزعم بعض ثالث بأن المراد بالسنة الحسنة ما يخترعه الناس من أمور الدنيا وطرق المنافع، وبالسنة السيئة ما يخترعوه من طرق المضار والشرور، وقصرهم للمحدث المقبول على ما يتعلق بأمور الدنيا فقط هو من باب تخصيص الحديث بدون مخصص، وظاهر المراد منه أن كل أمر مبتدأ من غير مثال من أمور الدنيا أو أمور الدين مما يشمله الحديث.
وخلاصة القول:
أنه ليس العبرة في عدم قبول المحدث هو عدم سبق فعله، وإنما العبرة في رده هو أن يصادم نصًا أو أصلاً من أصول الشريعة وقواعد الاستنباط، وبهذه المعارضة يكون ليس من شرعه صلى الله عليه وسلم وعلى خلاف منهج تشريعه، وهذا هو بدعة الضلالة التي قد أصبحت حقيقة شرعية فيما يصادم النصوص والأصول، وهي مذمومة كلها بحسب ما استعملت فيه شرعًا.


بيان فساد التأويلات السابقة:
والحاصل أن من حمل كلمة بدعة الضلالة الواردة في حديث (كل بدعة ضلالة) والكلية الواردة فيه على كل ما استحدث سواء من ذلك ما عارض النصوص والأصول وما لم يعارضها، فقد خلط بين الكلمة حين تستعمل شرعًا وحين تستعمل لغة، وجهل أن الكلية الواردة في الحديث إنما هي واردة على المحدث باستعماله الشرعي، وهو كل محدث يعارض نصًا أو أصلاً شرعيًا، لا على استعماله اللغوي، وهو كل أمر مبتدأ على غير مثال الذي يشمل القسم المردود، وهو ما يعارض النصوص والأصول، والقسم المقبول منه، وهو ما لا يعارض النصوص والأصول، فالأول: هو بدعة الضلالة، والثاني: مقبول، سواء حدث في العهود الأولى أو بعدها.
ومن أراد أن يدرج محدثًا لم يفعله الصحابة وأهل القرون الأولى في بدعة الضلالة فعليه أن يستقصي النصوص الخاصة والعامة والأصول الشرعية التي تُصادم هذا المحدث وتقبحه، لئلا يختلط ذلك بالمقبول من البدعة بالإطلاق اللغوي، لأن إدراج هذا المقبول في بدعة الضلالة يعني تحريمه، ومعلوم أن تحريم الشيء حكم شرعي لابد له من دليل من كتاب أو سنة أو أصل معتبر ينطبق على المسالة المتنازع عليها، وإلا كان تحريمًا من عند أنفسنا ينطبق عليه ما ورد فيمن يحللون ويحرمون من عند أنفسهم، كما قال صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم في تفسير قوله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} [الحديد: 27] وحسبنا احتياطًا في قبول الجديد بعد العهود الأولى أن لا يعارض نصوصًا ولا أصولاً ويندرج تحت مصلحة مناسبة لم يبلغ الشارع اعتبارها، ومن أدخل كل محدث في حديث (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أو في حديث (من رغب عن سنتي فليس مني) أو في حديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) إلى آخر ما قرّروه فقد جهل أنه ليس المراد بسنتهم ما وقع في عهدهم ليس إلا، وإنما المخالف لسنتهم هو ما يأتي على خلاف منهجهم في التشريع في أيّ عصر وقع، وأن ما يخدم مصلحة تشريعية معتبرة في أيّ عصر لا يقال فيه إنه ليس من مرهم أو ليس من سّنتهم، أو خارج عن أمره وطريقته وسنته ومنهج تشريعه، وإنما الخارج عن ذلك هو المحدث بعد القرون الثلاثة الذي يُصادم النصوص والأصول الشرعية.

التمسك بالسُنة عند فساد الأمة:
كما زعم بعضهم أم المراد بحديث (من سنَّ سنة حسنة) هو التمسك بالسنة النبوية المتضمن دفاع المسلم عنها والغيرة عليها، رغم محاربة الناس له، واستهزائهم به ومعارضتهم له.


إطلاق الصحابة لفظ البدعة على بعض الأمور المستحدثة

إعلم أن بعض الصحابة رضي الله عنهم قد حكموا على بعض الأمور المستحدثة في زمانهم بكونها بدعة، فإن كان مع إطلاقهم ذلك شيء من أمارات الإنكار قولاً أو فعلاً دل ذلك على كونه قبيحًا عندهم، وإن لم يكن معه ذلك بل كان معه ما يدل على تحسينهم ذلك دل على أنهم أرادوا بالبدعة المعنى العام "المحدث"، لا البدعة التي هي ضلالة.
مثال الأول ما أخرجه أبو داود عن مجاهد قال: كنت مع ابن عمر فثوّب رجلٌ في الظهر أو العصر، فقال ابن عمر: أخرج بنا فإن هذه بدعة.
قال العلامة المحقق البدر العيني: جاء في "المبسوط" روي أن عليًا رأى مؤذنًا يثوب للعشاء فقال: أخرجوا هذا المبتدع من المسجد. انتهى.
وكذلك ما أخرجه الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم من حديث أبي نعامة الحنفي –واسمه قيس بن عباية– عن أبي عبد الله بن مغفل قال: سمعنى أبي وأنا في الصلاة أقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: أي بني محدث، وإياك والحدث، قال: ولم أر أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبغض إليه الحدث في الإسلام – يعني منه – قال: وقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقولها فلا تقلها أنت، إذا صليت فقل: الحمد لله رب العالمين.
قال اللكنوي: دل هذا الحديث على أن الجهر بالبسملة في الصلاة محدث، استقبحه عبد الله بن مغفل، والمسألة خلافية بين الأئمة، والأحاديث فيها متعارضة، والقول الحق هو ثبوت الجهر من النبي صلى الله عليه وسلم أحيانًا وكون السر أقوى من الجهر، كما حققته في رسالتي "إحكام القنطرة في أحكام البسملة".
ومثال الثاني: ما ورد عن عمر في صلاة التراويح من توصيفها بالبدعة الحسنة.
وأخرج سعيد بن منصور في "سننه" عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه: إن الله كتب عليكم صيام رمضان ولم يكتب عليكم قيامه، وإنما القيام شيء ابتدعتموه، فدوموا عليه ولا تتركوه، فإن ناسًا من بين إسرائيل ابتدعوا بدعة ابتغاء رضاء الله، فعاتبهم الله بتركها ثم تلا: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا....} الآية، دل أمره بالدوام مع صفة بالابتداع على كونه أمرًا حسنًا.
وكذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن الحكم بن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى فقال: بدعة، ونعمت البدعة هي.
وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن سالم عن أبيه قال: لقد قُتل عثمان وما أحد يسبحها، وما أحدث الناس شيئًا أحب إليّ منها.
قال العلامة الشيخ القسطلاني في "المواهب": أراد أنه صلى الله عليه وسلم لم يداوم عليها، أو أن إظهارها في المساجد ونحوها بدعة، وبالجملة فليس في أحاديث ابن عمر ما يدفع مشروعية صلاة الضحى، لأن نفيه محمول على رؤيته لا على عدم الوقوف في نفس الأمر، أو الذي نفاه صفة مخصوصة، انتهى.

ما أحدثه الصحابة ليس ضلالة:

والدليل على أن ما أحدثه الصحابة ليس بضلالة ورود كثير من الأحاديث الدالة على الاقتداء بسيرة الصحابة كحديث: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) أخرج الدار قطني في "المؤتلف" وفي كتاب "غرائب مالك" والقضاعي في "مسند الشهاب" وعبد بن حميد، والبيهقي في "المدخل"، وابن عدي في "الكامل" والدارمي وابن عبد البر وابن عساكر والحاكم وغيرهم بألفاظ مختلفة المبنى متقاربة المعنى، بطرق متعددة كلها ضعيفة، كما بسطه الحافظ ابن حجر في "الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف" لكن بسبب كثرة الطرق وصل إلى درجة الحسن، ولذلك حسنه الصغَّاني، كما ذكره السيد الجرجاني في انتهى.
قلت: وبعضهم يرى غير هذا، ولسنا هنا بصدد تخريج الحديث، وقال قاسم الحنفي في "شرح مختصر المنار": وتقليد الصحابي – وهو اتباعه في قوله وفعله من غير تأمل في الدليل – واجب يترك فيه القياس لقوله صلى الله عليه وسلم (مثل أصحابي في أمتي مثل النجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) رواه الدار قطني وابن عبد البر من حديث ابن عمر، وقد روي معناه من حديث أنس، وفي أسانيدها مقال، لكن يشد بعضها بعضًا. انتهى.
قال الإمام الحافظ البيهقي في "الاعتقاد": رويناه في حديث موصول بإسناد غير قويّ، وفي حديث آخر منقطع، والحديث الصحيح يؤدي بعض معناه، وهو حديث أبي موسى المرفوع: (النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعدون، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي، أتى أمتي ما يوعدون).رواه مسلم انتهى
وكحديث: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين...)، أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما.
وكحديث: (اقتدوا بالذين من بعدي، أبي بكر وعمر) أخرجه الترمذي وأحمد وغيرهما
وكأثر ابن مسعود: إن الله نظر في قلوب العباد فاختار له محمدًا، فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد فاختار له أصحابًا فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيّه، فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح، أخرجه البزار والطبراني وأحمد في "مسنده" وغيرهم.
السيد محمد علوي المالكي



--------------------------------------------------------------------------------

[1] - معالم السنن شرح أبي داود الخطابي
[2] - الاستذكار شرح الموطأ لابن عبد البر
[3] - فتح الباري



Selengkapnya..